أيها النمل ادخلوا مساكنكم

آخر تحديث : الإثنين 22 فبراير 2016 - 1:03 صباحًا
2016 02 22
2016 02 22

الصادق العثماني طغت على الحياة الإجتماعية للمسلمين عدمية وسلبية قاتلة، مما أدى بهم إلى الإنهزام والتخلف والتأخر والفقر والجوع والفوضى، وعدم قدرتهم على مسايرة قطار الحياة، وفي هذا السياق يضرب الله لنا في كتابه العزيز مثلا برجلين، أحدهما إيجابي وحركي وفاعل في مجتمعه ووطنه وأمته، والآخر عدمي سلبي بخيل لا يساهم في شيء، ولا يقوم بأي شيء ينفع به نفسه وأمته، فقال جل شأنه: ” وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ، وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ، أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ، هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.. ” (النحل) . والمقصود بـ “الأبكم” في الآية الشريفة: السلبي العاجز العدمي الذي هو حمل وثقل زائد على المجتمع والدولة، فإذا طلبت منه شيئًا لا يفعله، وإذا فعله لا يتقنه..” أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ ” ، أما قوله تعالى “من يأمر بالعدل” المقصود منها في الآية: الإنسان الإيجابي الحركي النشيط الذي يصلح في الأرض ولا يفسد، ويعمر ولا يهدم، يسعى بين الناس بالإصلاح والخير..إيجابي في حياته العلمية والعملية، وإيجابي في محيطه وأسرته وأصدقائه وجيرانه ووطنه، وإيجابي مع الله تعالى في تأدية واجباته الدينية. ومما دفعني للكتابة في هذا الموضوع هومشاهدتي لشريط فيديو على ” اليوتيوب ” قبل أسبوع، يظهر من خلاله أن أحد الأشخاص يعتدي على زوجته بالضرب في إحدى الشوارع العامة بدولة عربية مسلمة، وكاد أن يقتلها ولا أحد من المارين تدخل لإنقاذها من الموت؛ مع العلم أن هذا الشخص نحيف جدا ربما بلكمة بسيطة تسقطه أرضا، ومع ذلك عدمية وسلبية هؤلاء المارة تمنعهم من فعل أي شيء؛ نظرا للمنطق السائد، والقاعدة المعتمدة عند أغلب المسلمين اليوم (اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) !! بينما نجد نملة ضعيفة بسيطة، قامت بدورها الإيجابي الفعال فأنقذت أمتها، وتركت بصمتها الإيجابية في الحياة، ولهذا سجل القرآن الكريم قصتها بحروف ذهبية ربانية تتلى إلى قيام الساعة، وسميت سورة كاملة باسمها، وهي سورة النمل. يقول جل وعلا: ” وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ، حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ، فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ َ.. ” (النمل). استنفر الجيش بقيادة سيدنا سليمان عليه السلام –الذي سخر له الله تعالى الطير والجن والإنس ..- للسير إلى معركة ضد الأعداء، هنا ستبدأ قصة هذه الحشرة (النملة) والقصة على قصرها، إلا أنها تضرب مثلًا لنملة إيجابية، نملة شجاعة، نملة قامت بتغيير المنكر حسب استطاعتها، وأخبرت عن جريمة قتل وإبادة جماعية كانت على وشك الوقوع، لولا تدخلها الإيجابي في إخبار قومها، “قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ..”، مع أنها كان من الممكن أن تهرب وحدها وتدخل جحرها وتنجو بنفسها؛ لكن إيجابيتها وفاعليتها دفعها للمغامرة والتضحية، من أجل الآخرين، ولما سمعها قائد الجيش سليمان عليه السلام الذي علمه الله منطق الطير، تبسم ضاحكا من قولها، معجب في نفس الوقت بحركيتها ووطنيتها وغيرتها على أبناء قومها إن صح التعبير؛ بحيث لم تترك قومها يداسون تحت أقدام جنوده عليه السلام، كما نترك نحن اليوم آلاف من الأطفال يموتون جوعا..!! وآلاف من المسلمين يقتلون بأيدي بعضهم البعض في حروب خاسرة مدمرة..! وآلاف من المظلومين تسلب حقوقهم في المحاكم برشاوى تعطى لبعض قضاة الجور والظلم..!! وآلاف من المشردين في الشوارع لا معيل لهم..!! وآلاف من المرضى يموتون يوميا بسبب عدم قدرتهم على إجراء عملية جراحية، لأنهم ضعفاء فقراء لا درهم لهم..! فعارعلى أمة محمد “صلى الله عليه وسلم” اليوم، أن تكون نملة صغيرة لديها من الإيجابية والفاعلية ما نفتقدونه نحن اليوم كمسلمين؛ بينما نجد هذه الإيجابية والفاعلية في المجتمعات الغربية سارية المفعول، مما يدفعني إلى القول: إن الدول العربية واﻹسلامية وعبر تاريخها الطويل، حافظت على جسد القرآن الكريم؛ من حيث الضبط والرسم والحفظ في الصدور والسطورمعا، وهذا جيد في حد ذاته، أما روحه؛ من عدل ورحمة ومحبة، وصدق وأمانة وإخلاص، ووفاء وإتقان وإبداع، وتدبر وتفكر، واحترام اﻹنسان من حيث هو إنسان، فقد تم – مع اﻷسف – طرد هذه الروح الشريفة من أوطاننا الإسلامية، واستقبلتها الدول الغربية بروح رياضية؛ هنا يكمن سر تقدمهم، كما يكمن في نفس الوقت سر تخلفنا نحن أهل اﻹسلام، والله المستعان . كاتب عام المجلس الأعلى للأئمة والشؤون الإسلامية بالبرازيل