إصدار جديد للأستاذ إدريس بوهليلة… الجزائريون في تطوان خلال القرن 13هـ / 19م مساهمة في التاريخ الاجتماعي للمغرب الكبير

آخر تحديث : الإثنين 1 فبراير 2016 - 12:51 مساءً
2016 02 01
2016 02 01

مقدمة الطبعة الأولى استقبلت مدينة تطوان المطلّة على البحر الأبيض المتوسط، موجات من المهاجرين الجزائريين، جماعات وأفراد، على إثر إقدام دولة فرنسا في خطوة عسكرية جريئة، على احتلال الجزائر ابتداء من سنة 6124ه0/183م في أثناء أوج الامبريالية العالمية، ضاربة عرض الحائط حقوق الشعوب في تقرير مصيرها في حياتها العامة، كما نصّت على ذلك بنود ” الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن” سنة 1204ه/1789م ـ كنتيجة طبيعية للثورة الفرنسية ـ وبنود الدستور الفرنسي لسنة 1206ه/1791م، والتي ستُصبح مُقررة في الدساتير الفرنسية المتعاقبة، وكما في القانون العام الأوربي والدولي على حدّ سواء. هذه الموجات من الهجرات الجزائرية، كانت حينئذ من أهم ظواهر وحوادث القرن 13ه/19م، بما ترتّب عنها من انعكاسات وتداعيات، ليس على صعيد الجزائر فحسب، وإنما على صعيد المغرب الأقصى والمغرب الكبير قاطبة. فقد كانت هذه الهجرات، وحوادث أخرى مواكبة ومتعاقبة، منها: احتلال الجزائر (1246ه/1830)، وهزيمة المغرب في حرب إيسلي (1260ه/1844) أمام القوات الفرنسية، وحرب تطوان (1276ه/1859 ـ 1860م) في مواجهة الجيش الإسباني، من بين مؤشرات دخول المغرب إلى التاريخ المعاصر عنفا وقهرا، لم يُعهد لها مثيل فيما قبل ولا بعد. ستُقرر مصيره المستقبلي المليئ بالنكسات والانكسارات؛ حيث سيعرف المغرب عهد الاحتلال الشامل لأراضيه والاستلاب الثقافي والاقتصادي والحضاري بصفة عامة، فضلا عن اقتطاع أراضيه الشرقية والجنوبية، وضمها إلى مستعمرات فرنسا بالجزائر ظلما وعدوانا. وسيؤثر كل ذلك على بنيته الاجتماعية، وتنظيماته السياسية، واستقراره الجيوـ سياسي، وعلاقاته بدول الجوار، إلخ. وأفرز هذا الوضع وبالملموس، الفرق الشاسع بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط على جميع المستويات التقدمية الحضارية. وهو الفرق الذي مازال هائلا إلى الزمن الراهن. في ظل هذه الظروف العصيبة من تاريخ المغرب المعاصر، كان لابدّ وأن يُثير الوجود الجزائري على أرض المغرب إشكالية تفرعت عنها جملة من الأسئلة والاستفهامات. نستجزئ منها: كيف تعامل المخزن المغربي، ممثلا في السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام، مع ظاهرة الهجرة والوجود الجزائري بتطوان؟ وما هو موقفه منها ؟ وكيف فسّرها؟ وما هو الموقف الذي تبناه بعض أهالي تطوان من هذه الظاهرة؟ وإذا كان للطرفين المغربيين المذكورين موقفا موحدا بيّنا، عبّرت عنه الوثائق المخزنية ـ لسان حال السلطان ـ والوثائق والكتابات التاريخية، فكيف كانت بالمقابل، مواقف الجزائريين، إزاء الحروب المفروضة على المغرب الأقصى والاحتلال الأوربي، وفي مقدمته إسبانيا وفرنسا، من خلال ما خلفوه من كتابات، والتي تؤشر على مدى وطنيتهم وقوميتهم العربية الإسلامية ؟ وما هي مواقفهم تجاه نظام الحكم المغربي، والتي تعبر عن مدى تشبّثهم بالسلطان وسيادته؟ وما مدى اندماجهم في الوسط الاجتماعي والثقافي بتطوان؟ وما هي درجة تأثيراتهم، وأنواعها، وآثارهم الباقية منها بالمدينة؟ وفي الاتجاه المعاكس نتساءل عن الطرف الآخر، عن نظرة الآخر، ونعني به كُتاب الاستعمار، ونقول: كيف فسّر مُنظرو الاستعمار، مفهوم الهجرة كما مارسها الجزائريون، عندما حطوا رحالهم، في مدن وقرى المغرب سنة 1246ه/1830م وما بعدها؟ وكيف حاولوا توظيفها لتحقيق مصالح دولتهم الفرنسية، وبثّ التفرقة بين أبناء المغرب الكبير والتي مازالت آثارها، تؤثر سلبا في سياسات حكامه إلى الآن، كما هو معاين في فشلهم في تحقيق اتحاد المغرب العربي؟ هذه جملة من الأسئلة الإشكالية، التي يروم موضوع هذا الكتاب، الإجابة عليها بنوع من الموضوعية التاريخية، والحسّ الوطني والقومي العربي الإسلامي، وبوعي وإدراك لماهية التاريخ و مسؤولية الكتابة التاريخية، خاصة في هذه الوضعية الحالكة، التي يمرّ منها المغرب الكبير والعالم العربي والإسلامي، من أزمات وانتكاسات حضارية مستمرة ومتعاقبة، تمخضت عنها ثورات في مختلف الدول العربية مشرقا ومغربا، وُصفت تفاؤلا بـ”الربيع العربي”، والتي ستُغير لا محالة، الكثير من الأوضاع والسياسات لهذه الدول التي مثلتها. نقول: هذا الكتاب سوف يحاول الإجابة على الأسئلة المطروحة. ولكنه لا يدّعي القول الفصل فيها ، وإنما هدفه الأول التنبيه إليها تنبيها، يحظى بمكانة الحادثة، حادثة هجرة الجزائريين، وما تمخض عنها من بزوغ أفكار وممارسات إيجابية، على أرض تطوان خاصة والمغرب عامة، في مواجهة الوضع المأساوي السابق الذكر. وهي أفكار وممارسات وصفناها بالوحدوية، والتضامنية، والتكافلية، والتعاونية… إلخ في وقت اشتداد الأزمات. وقد بدا لنا، أنّ مثل هذه الأسئلة وغيرها، تُعدّ من الأسئلة الشائكة والغامضة في آن؛ لأنها تتعلق بموضوع، أثار الكثير من الشكوك والكثير من الحزازات والحساسيات، ومازال يثيرها إلى الآن، ويؤثر في مستقبل دول المغرب، ومشروع بناء تكتل جهوي مغاربي، يحظى بثقة الأطراف المعنية، في إطار ظروف دولية يطغى عليها ما يُصطلح عليه بـ”العولمة”؛ حيث لا حياة، ولا تقدم للدول الفردية، إلا في تكتّل قوي،.واقتصاد متكامل ومتطوّر. إنه عصر الاتحادات، في وقت يعيش فيه العرب عصر التفتيت والشتات. فهل ” الربيع العربي” كفيل بإخراجهم من هذا الشتات والسبات العميق، كما هو معاين الآن، إلى بريق المستقبل، إلى نهضة فكرية واجتماعية واقتصادية، وإلى اتحاد ووحدة، يحس فيها الإنسان العربي بإنسانيته، وكرامته، وحريته؟ يُمكن إيجاز بعض أهداف الكتاب، فضلا عن ما ذُكر في: ـ المساهمة في دراسة التاريخ الاجتماعي لمدينة تطوان في القرن 13ه/ 19م، من خلال دراسة هجرة الجزائريين إلى المدينة، والتي شكلت شريحة اجتماعية مهمة، انضافت إلى الشرائح الأخرى، المكوّنة للمجتمع التطواني وحضارته. هذا الجانب من الدراسة، نعدُّه جانبا أساسيا من جوانب تاريخ تطوان المنسيّ، الذي ـ حسب اطلاعنا ـ لم يُدرس بعناية، وافتحاص، ونقد إلى الآن، رغم الآثار المُختلفة الأبعاد، التي خلفتها هذه الشريحة الاجتماعية، على المستوى المحلي والوطني معا، في الحال والمآل. ـ تفنيد الأطروحة الاستعمارية حول المفهوم، الذي أوّلت به الهجرة الجزائرية إلى المغرب، بناء على معطيات ووثائق المرحلة المدروسة. وهي الأطروحة التي مازالت رغم مرور زمن غير قصير على صدورها، تؤثر في فكر بعض الباحثين المُحدثين بصورة أو بأخرى. ـ تبيان بعض أنساق الفكر السلطاني المغربي، في أوقات الأزمات، واحتلال الأوطان، والنزوح الاضطراري للسكان عن مواطنهم. وهو الفكر الذي كان يستلهم التجربة الإسلامية في الحكم، وفي كيفية التعامل مع المستجدات الوطنية، والإقليمية والدولية. ـ تبيان رؤى المغاربة والجزائريين، حول القضايا الوطنية والاستقلال والوحدة؛ حيث بدا لنا أن ما يجمع هذه الشعوب المغربية أكثر ما يُفرّقها، وأنها متضامنة وموحدة في الخيارات والتوجهات العامة، وأن ما يُفرّقها هو السياسة والقائمون على السياسة. ولنا دليل على ذلك، هو تضامن الشعبين المغربي والجزائري، في مناسبات عديدة، وخاصة في أوقات الأزمات، في مقابل، تنافر توجهات القائمين بالحكم، والمثال على هذا التنافر، هو أنه عندما طلب باشا الجزائر مساعدة السلطان المغربي، بالسماح له بالهجرة إلى تطوان، أثناء احتلال الجزائر، أذن له هذا الأخير، بل ورغّبه فيها، لما لها من معاني وفوائد، لكن الباشا الجزائري اختار الارتماء في أحضان دولة إيطاليا الأوربية، معاكسا بذلك توجهات الشعبين، وثقافة وفقه العلماء، الذين كانوا قد أصدروا فتاوى، تبيح هجرة المسلمين من دار غلب عليها الاستعمار الأوربي إلى دار الإسلام. ـ تمثُّلُ قول الزعيم الوطني للمغرب الكبير عبد الله إبراهيم: ” إذا أعانت هذه الصفحات جماهير قرائها وقارئاتها، شيئا ما على إعمال الفكر، وتعقيل المعطيات، وتحديد المضمون بالضبط في مختلف القضايا التي تعالجها… وإذا أعانت شيئا ما أيضا على بث روح الالتزام المسؤول بالموقف الواعي من نفس تلك القضايا في الجماهير المغربية الواسعة، فقد أصابت إذن هدفها الحق، وأنجزت مهمتها” (أوراق من ساحة النضال، ط.1، الدار البيضاء 1975،ص3). والكتاب في الأصل، مجموعة من العروض والمقالات، التي شاركنا بجلّها في ندوات وطنية ودولية، فيما بين سنتي 1997 و2009، ونشرت ضمن أعمال هذه الندوات وفي كتب جماعية ومجلات مختلفة فيما بين سنتي 2000 و2010، وواحدة قيد النشر. وقد أحالنا على ذلك في محله من الهوامش. وتجدر الإشارة، إلى أننا تصرفنا بعض الشئ في النصوص الأصلية لهذه العروض والمقالات، من حيث التنظيم، وتغيير بعض العناوين الفرعية، أو زيادة بعضها، وتحيين بعض المعطيات في الهوامش وغير ذلك. إلا أن هذا التصرف، لا يمس جوهر متن النصوص الأصلية شكلا ومضمونا. وإنما هو ناتج، عن الاختلاف بين طبيعة الكتاب وطبيعة العرض و المقالة. ونرجو أن يُثير هذا الكتاب، نقاشا جدّيا بين القرّاء، يُفضي إلى إغناء أفكاره ومضمونه، ويُصحح هفواته وسقطاته، ويساهم في بلورة أفكار تُقرّب بين دول المغرب الكبير، بالقدر الذي يُدعّم وحدتها، كخطوة في اتجاه وحدة العالم العربي. وهذه الخطوة، ليست بالأمر الهيّن ولا بالأمر المستحيل، إذا ما توافرت الإرادة الصلبة، والعزيمة الثابتة، والإيمان القوي لدى الشعوب والحُكام، وأُزيحت رؤوس الاستبداد والاستكبار، وعُمّمت نُظم الديمقراطية، بما يضمن العدالة، والحرية، والكرامة الإنسانية. وكما يقول قسطنطين زريق” فعسى أن تكون علاقتنا بالتاريخ علاقة تفاعل إيجابي مستمر، وعسى أن تكون تحدياته لنا دوما حافزة مُستثيرة وردودنا عليها رفيعة مبدعة، وعسى أن نتمكن في هذا الظرف الرهيب من حياتنا من أن نردّ على تحديه الضخم الخطير بأصفى ما نمتلك من فكر، وأنفذ ما نقدر عليه من عمل، وأروع ما نحن أهل له من خلق وإبداع” (نحن والتاريخ، بيروت،ط.3، 1974،ص 242). ومن الله نرجو التوفيق والسداد. تطوان في 15 صفر1433ه/9 يناير 2012