الأحزاب السياسية والمشهد السياسي بالمغرب

آخر تحديث : الأربعاء 6 أبريل 2016 - 3:03 صباحًا
2016 04 06
2016 04 06

بقلم عزالدين شملال يشكل الحزب كإطار تنظيمي تعبيرا عن طبقة أو مجموعة طبقات اجتماعية تجمعها محددات وقواسم مشتركة تشكل البرنامج السياسي المعبر عن مشروعها المجتمعي. فالحزب كما يعرفه المنظر السياسي الشهير Georges Burdeau هو” مجموعة من الأفراد لديهم نفس الرؤى السياسية ، تَجْهَد وتبحث لتجعلها متفوقة على غيرها من الرؤى، محاولة جمع أكبر عدد من المواطنين في البحث عن عملية الوصول إلى السلطة، أو على الأقل التأثير على أفكارهم ” فيما يُعَرِّفُهُ الأستاذ أسامة غزالة حرب ” انه اتحاد أو تجمع من الأفراد، ذو بناء تنظيمي على المستويين القومي والمحلي، يُعَبِّرُ في جوهره عن مصالح قوى اجتماعية محددة، ويستهدف الوصول إلى السلطة السياسية أو التأثير عليها بواسطة أنشطة متعددة خصوصا من خلال تولي ممثليه المناصب العامة، سواء عن طريق العملية الانتخابية أو بدونها ” . ففي أوروبا، حيث تبلورت الأحزاب تاريخيا، ارتبط ظهور التشكيلات السياسية، كإطار للتنظيم السياسي في أفق ممارسة الحكم، ببروز الطبقة البورجوازية بداية من نهاية القرن الثامن عشر، في الصراع مع الفيودالية، فجاء الحزب إطارا تنظيميا معبرا عن طبقة تربطها وحدة المصالح وتحمل فئاتها نفس التطلعات السياسية وتجمعها مرجعية إيديولوجية موحدة. وبعد أن استولت البورجوازية على السلطة أفرز الصراع وتناقض المصالح أحزابا معارضة معبرة عن تطلعات الفئات الدنيا الممثلة أساسا بالطبقة في المجتمع الصناعي الناشئ. أما في الحالة المغربية – كما في غيرها من البلدان العربية، وفي مجمل بلدان الجنوب الخارجة عن التصنيف الأوروبي ـ فلم تخضع الأحزاب السياسية لنفس الصيرورة الاجتماعية والسياسية، ويشدد الدارسون، مثل الفرنسي ريمي لوفو، والمغربيين عبد الله العروي وعبد الله حمودي، على أن الأحزاب في المغرب لم تأت نتيجة لتطور سياسي واجتماعي داخلي، بقدر ما تحكمت في نشأتها عوامل خارجية تمثلت أساسا في مواجهتها لسلطات الحماية الفرنسية من أجل استعادة الاستقلال، لتدخل بعد ذلك في صراع مع القصر للهيمنة على المشهد السياسي المغربي، غير أن التفوق الاستراتيجي للقصر واحتكاره لمجمل السلطات جعل الأحزاب تركن إلى المطالبة بإصلاحات دستورية وسياسية ألزمتها ” قيادة معركة المطالبة بالديمقراطية بعدما تمرست على المطالبة بالاستقلال زمن الاستعمار الفرنسي” . لقد أفرزت تجربة العمل السياسي الوطني منذ ما يفوق عن خمسة عقود ، منذ 1956 تاريخ الاستقلال إلى اليوم 2016، الاعتراف بوجود أزمة حزبية في المشهد السياسي المغربي، حيث لا يوجد خلاف بين مختلف الفاعلين السياسيين حول وجود هذه الأزمة، وإنما الجدل حول عمق هذه الأزمة وطبيعتها، وتحديد العوامل المتسببة فيها، وحول الخلاف على المقاربات التي تم من خلالها تشخيص هذه الأزمة، فانطلاقا من مقاربة سوسيوتاريخية، تفسر أزمة الأحزاب السياسية بإرجاعها إلى منظومة سلوك وأفكار تبلورت خلال فترة الحماية منذ تأسيس أول حزب سياسي مغربي سنة 1934، وظلت حاضرة بعد الحصول على الاستقلال بحيث لم يتم تجاوزها ، هذه المنظومة هي المسؤولة عن غياب الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية المغربية، ليمتد هذا الغياب إلى المشهد السياسي المغربي ككل . فإذا كانت الأحزاب السياسية في الغرب الليبرالي قامت على أسس ديمقراطية حيث كان تأسيسها مرتبطا بالعملية الانتخابية وبالمؤسسات التمثيلية، فإنها في المغرب نشأت في سياق تاريخي لمواجهة سلطات الحماية الفرنسية، لذلك قدم الحزب المغربي نفسه ممثلا للشعب بأكمله، وليس كمعبر لشريحة اجتماعية معينة، مما نتج عنه اعتماد مبدأ الإجماع كآلية للاشتغال سمح ب “تخوين كل اختلاف، وترتب عن كل ذلك اعتبار مشروعية النضال ضد المستعمر ومقاومته أساس كل مشروعية حزبية، بتعبير آخر، تمت التضحية بالمشروعية الديمقراطية لفائدة المشروعية الوطنية” . وبعد الاستقلال اشتغل الحزب المغربي بنفس آليات أحزاب فترة الحماية، حيث أصبح المخالف عميلا للسلطة السياسية القائمة بدل عميل للاستعمار، وتخوين” الاختلاف يفيد أن المبدأ الذي حكم اشتغال الآلة الحزبية هو مبدأ الإجماع، كما أن أساس المشروعية لم يتغير مضمونه فأساس كل مشروعية هو مقاومة السلطة السياسية القائمة و النضال ضدها . أما المقاربة السوسيوسياسية فترجع أزمة الأحزاب السياسية إلى الدور الذي لعبته السلطة السياسية من اجل ضبط بعض التوازنات بناء على حسابات سياسية خاصة، فإذا كانت التعددية الحزبية في الغرب اللبرالي تعبر عن تعددية سياسية، حيث يمكن الحديث عن نوع من التطابق بينهما، وهذا التطابق “هو الذي يمنح شرعية الحديث عن الديمقراطية، فلا يمكن الفصل إطلاقا بين التعددية والديمقراطية”، فان الصورة في المغرب تختلف حيث أن التعددية الحزبية لا تعبر عن التعددية السياسية وإنما غدت التعددية الحزبية في الواقع تكريسا للأحادية السياسية، لقد سعت السلطة السياسية القائمة إلى تصريف التكتيك الحزبي عبر آليتين : آلية خلق الحزب الاغلبي، وآلية إغراق الساحة بالأحزاب السياسية. أما المقاربة الثالثة في تفسير أزمة الأحزاب السياسية، هي مقاربة سوسيوثقافية، تربط أزمة الحزب بالسلوك السياسي للمواطن المغربي الذي يتأثر بمجموعة من المحددات كالفقر والأمية و اللامبالاة و ضعف الالتزام الحزبي، أضف إلى ذلك يقين المواطن المغربي بان المؤسسات المنتخبة هي وسيلة للحصول على امتيازات وليس وسيلة للقيام بالتزامات، ثم عدم الإيمان بجدوى التصويت، ف”الصوت”لا يُعتبر محددا ما دام أن هناك آليات أخرى محددة ، و بالتالي يغدو”التصويت” مجرد “تزكية” وليس” اختيارا”. وعلى حد تعبير الأستاذ محمد ضريف ” تعمق سيادة هذه الثقافة الانتخابية في المغرب أزمة الأحزاب السياسية، إذ تحولها إلى أندية مغلقة لا علاقة لها بالشرائح الاجتماعية التي تدعي تمثيلها والدفاع عن مصالحها ” . إضافة إلى هذه الأزمة التي لم تستطع تجاوزها منذ الاستقلال وإلى اليوم، فقد اتسمت الحياة الحزبية المغربية بالدوران موضوعيا وذاتيا حول المؤسسة الملكية إما تفاعلا أو تجاذبا أو تصارعا بشكل حوّل الممارسة الحزبية إلى رد فعل مستمر إزاء الملكية وخصوصا إزاء تطورات الحقل السياسي والدستور ي. فمباشرة بعد الاستقلال سيعرف المشهد السياسي المغربي صراعا حادا بين مختلف الفاعلين السياسيين حول من يملك الفاعلية السياسية ، فحزب الاستقلال الحزب الأقوى آنذاك كان يخطط للانفراد بالساحة السياسية عبر ترسيخ نظام الحزب الوحيد سيعرف مواجهة حادة على واجهتين : واجهة الأحزاب المنافسة لحزب الاستقلال خصوصا ” حزب الشورى والاستقلال ” وحزب” الحركة الشعبية ” والذي وصل إلى حد الاختطافات والاغتيالات في صفوف اطر وقياديي حزب ” الشورى والاستقلال ” على الخصوص، وواجهة القصر الذي حاول إيقاف هيمنة حزب الاستقلال عبر دعم وخلق أحزاب قادرة على الوقوف دون تحقيق هدف الاستقلاليين، وتكون في نفس الوقت مساندة و مدعمة لموقف الملكية القاضي بالهيمنة على المشهد السياسي المغربي . غير أن الأوضاع تغيرت مع وفاة الحسن الثاني وبداية حكم الملك محمد السادس، حيث يبدو المشهد السياسي المغربي منذ ” التناوب التوافقي ” يسير نحو تحقيق المسلسل الديمقراطي، والأحزاب السياسية ــ و حتى المعارضة منها ــ نسيت أو بالأحرى تناست نضالها ومطالبها للحد من الهيمنة الملكية وتحويلها من ملكية ” رئاسية ” إلى ملكية ” برلمانية “، بل وأصبحت أحزابا تشرعن للهيمنة الملكية، وتجعل منها ملكية حاكمة و حكيمية. وعلى الرغم من الإصلاحات التي حملها دستور 2011، وبالرغم من بعض عناصر الانفتاح وعلامات التحديث يبقى الإطار الأساسي للنظام السياسي غير متغير، وأنه إذا كان يبرز نوعا من التغييرات في بنية وأدوار فاعلين جدد، فإن ذلك لم يمس بالدور المركزي للمؤسسة الملكية في المشهد السياسي المغربي لتبقى الإشكالية الأساسية هو هل ما شهده المشهد السياسي المغربي من تحولات وتغيرات في بنية وأدوار الفاعلين يؤشر على تغيير في بنية الفضاء السياسي المغربي، بشكل يبرز نوعا من التحول يقطع مع الممارسات السابقة ويشكل منطلقا نحو تغيير قواعد النظام السياسي ومستوى العلاقة بين الفاعلين؟ هل بعد مرور ما يقرب من خمس سنوات على مراجعة الدستور ا%