البارون وحلم الغزالة الذهبية بتارودانت

آخر تحديث : السبت 11 يوليو 2015 - 11:35 مساءً
2015 07 11
2015 07 11

علي هرماس من أجل توفير الظروف الاقتصادية الملائمة لجلب المعمرين الجدد ورؤوس الأموال للاستثمار الفلاحي في المستعمرات الفرنسية، انشئت سنة 1919 غرفا تجارية وفلاحية وصناعية على غرار المعمول به في أوربا ، وكان لزاما بالمغرب أن تسير العملية بموازاة اجراءات ملحقة من قبيل إحداث مديرية الأشغال العمومية التي ستشرف على مد الطرق الجديدة وسط المناطق الفلاحية وتعبيد تلك المتواجدة ما بين المدن، دائما في المجال الاقتصادي تمت محاولة إشراك بعض رجال الأعمال المغاربة في النشاطات الإقتصادية الفلاحية للحماية، إلا أن هذه المحاولات كانت محدودة لعدة اسباب أهمها ميل البرجوازية الحضرية نحو التجارة، وتغليب جانب المضاربة الذي يدر أرباحا ضخمة في وقت قصير في ميدان الفلاحة، وأهم عنصر غير مشجع هو إمساك البارونات الفرنسيين بزمام فدرالية غرف التجارة والفلاحة، وممارسة ضغطها على سلطة الحماية لاحتكار رخص الاستثمار ومنحها في إسم الفرنسيين دون سواهم أكانوا مغاربة أو من جنسيات أجنبية أخرى كما سنرى بخصوص نموذج البارون الأمريكي جون بلانك JEAN PELINK الذي حل بتارودانت بعد 1945 ومنح استثناء الرخصة باعتباره متزوج من فرنسية ليستثمر في المجال الفلاحي على مساحة تداني أو تفوق 100 هكتار بمشارف تارودانت، الضيعة التي ستصبح لاحقا أشهر من نار فوق علم بفضل قصر الضيافة الخاص الذي سيحمل اسم “الغزالة الذهبية”.

Photo-1 يعتبر “الغزالة الذهبية” أحد أشهر الفنادق المغربية، له شهرة عالمية اكتسبها ليس بناء على معايير التصنيف المعتمد تقنيا من قبل وزارة السياحة ولكن باعتباره دار ضيافة متميزة في الاستثمار السياحي، وهي الفكرة التي ظهرت للوجود مؤخرا في المدن العتيقة المغربية ، يعد نزل لأشهر الشخصيات العالمية من مشاهير السياسة ونجوم الفن وأقطاب المال والأعمال التي تسعى لاقتناص إجازة استرخاء بعيدا عن اختلاسات عدسات الإعلام والصحافة. منتصف القرن الماضي في الوقت الذي لازال الاحتلال متحكما في رقاب الرودانيين والمغاربة عامة، وصل الى تارودانت شخصية مرموقة من الطبقة الأرستقراطية الفرنسية من أصول أمريكية يدعى البارون جون بلانك JEAN PELINK LE BARON ، فوقع في عشق من أول نظرة/زيارة للمدينة كما حدث للعديد غيره؛ اعتبارا أيضا لكونه مقترن بفرنسية كان ذلك عامل مهم مهد له الطريق لوضع اليد على عقار فلاحي من أجل الاستثمار، مستغلا منظومة القوانين التي أصدرتها سلطات الاحتلال بالجريدة الرسمية للمملكة الشريفية المحمية من أجل جلب المزيد من المعمرين للاستقرار بالمغرب، هكذا “اشترى” البارون جون بلانك عقار يسمى “فدان الزاوية” من أحد وجهاء تارودانت في تلك الحقبة وهو من عائلة آل الخياطي المشهورة بتارودانت ، واقع الحال أن وجاهة الروداني الخياطي ومكانته الاجتماعية باعتباره ملاك هي التي شفعت له في الحصول على مبلغ 120 ريال ثمن المبيع حسب رواية نقيب الشرفاء العلويين مولاي عبد القادر البلغيتي، بينما سي علال البرداوي أكد لي أن المبلغ لم يتجاوز 60 ريال، سلمت “للبائع” حفاظا على ماء الوجه لأن سلطة الاحتلال تتحاشى على الدوام المس بالأعيان، وإلا فأسهل الطرق لوضع اليد وسلب العقار من صاحبه، نزع الحيازة من أجل المصلحة العامة وهو القانون الذي وضعته فرنسا ولازال معمول به الى اليوم، إفادة تاريخية تلقفتها ونحن في جلسة الجمعة عصرا ، اخر جمعة من شهر شعبان 1436 بعرصة الكريم الحاج احمد الحاتمي.

455_001 انطلق البارون الفرنسي جون بلانك رفقة زوجته سنة 1954 في بناء دار للضيافة خصيصا لاستقبال أصدقائه ونخبة الشخصيات دون غيرهم، في الفاتح من أبريل من سنة 1960 افتتحت دار الضيافة رسميا، وقد حضر الافتتاح شخصيات مغربية وازنة وأجنبية مرموقة، كان من ضمنها مولاي أحمد العلوي الذي شغل منصب وزير السياحة، منذ لحظتها بقرار من البارون صاحب المشروع ظل الأخير أكثر نخبوية ، كما أن أسلوبه في الضيافة كان راقيا متميزا، بدءا بخدمة المطعمة وغرف الإيواء، مرورا بتقديم الخمور المختارة، وانتهاء معدات ممارسة الرياضة الفردية والثنائية “الخاصة” بالنخبة البورجوازية كالتنس والكولف والسباحة وجولات استكشاف المحيط فوق السروج على ظهر الخيول العربية البربرية وسهرات العشاء على نغمات الموسيقى الهادئة أو تقاسيم المعزوفات العالمية الخالدة التي يتماهى معها الضيف الاستثنائي من شريحة الدون والسير والبارون واللورد والسيناتور وغيرهم من طبقة النبلاء والأرستقراطيين ومشاهير العالم.

10334393_232265836983024_6921220779868266090_n أشهر ما في دار الضيافة هو “صالون الغزالة” قبة تثبت جدارة وعبقرية مهندسها أواسط القرن الماضي، والذوق الفني الراقي لصاحبها، قاعة فسيحة جدا مستديرة من دون سرايا وسطية لرفع سقف القبة العريضة، حيث توفق البارون داخلها في المزج بين مجموعة أنماط معمارية غربية وعربية تتباعد زمنيا وانتماء حضاريا، فنجد “نوطةNote ” من فن الباروك L’ART BAROQUE المستوحى من عصر النهضة الأوربية، وهو طراز معماري داخلي أهم مقوماته الأناقة و الفخامة كالمرايا الكبيرة الحجم ذات الإطارات المذهّبة، وتعدد الإنارة الخافتة فوق الشمعدانات المعدنية، وأرائك غليظة من الأوبرا أو الجلد الناعم وطاولات الزجاج أو الرخام القصيرة وطاولات الأركان كما يعتمد على تقابل الألوان المثيرة كالأحمر القاني مع الأسود الغامق والفضيّ الصقيل مع الذهبي الأصفر الى مختلف أنواع الأقمشة خاصة المخملية لستائر النوافذ والأبواب ، أما السقوف فتكون مزينة و مزخرفة، كأنها لوحات قائمة بذاتها. كما نجد بالجدران “تيمة THEME” من العمارة المشرقية من عصر النهضة العربية كالجبص المنقوش والمخروط والأبواب والنوافذ المقوسة لها الزجاج العراقي الملون من الداخل والشباك المشربي من الخارج ، والجدران العريضة التي تمنح جوا مكيفا بشكل طبيعي في الداخل ،بينما أرض القبة/الصالون تفنن فيها البارون جون بلانك بلمسته الخاصة به، وهي في الحقيقة طابعه الشخصي للتاريخ بهذه التحفة، ذاك عرف فني لدى كافة العباقرة المغمورين، ما يجعلنا نستشف أنه كان وهو في منتصف القرن العشرين ذا حس فني عالي الكعب راقي الذوق، بما أن البارون بلانك توفق في كساء أرض القبة بالرخام من مختلف الألوان وصممه على شكل قرص فلكي محيطه يجسد رسومات الأبراج الفلكية السنوية الإثني عشر، وفي المركز تتوسط الغزالة الذهبية عنوان المنتجع، وصقل الرخام بعناية فائقة لدرجة أصبحت أرض القبة مثل صرح ممرد أو لجة ماء ، يذكرنا هذا بما قام به هو الأخر الفنان/الرسام العالمي الشيلي الأصل دفين تارودانت كلاوديو برافوCLAUDIO BRAVO بفارق ستة عقود من الزمن، لما اقتنى وعاء عقاري مساحته 40 هكتار بمشارف تارودانت وشيد قصره الذي أصبح هو الآخر محج ومزار الشخصيات العالمية المرموقة من عالم السياسة والرئاسة والإمارة.

10258646_231665403709734_5977846241860077821_n هكذا نلاحظ كيف بدأت دار الضيافة التي اختار لها صاحبها من الأسماء “الغزالة الذهبية” لتكون عنوانا لمنتجع يرفع راية الأرستقراطية الغربية كما يراها البارون جون بلانك ، ما سهل له مع توالي الأعوام أن تصبح دار الضيافة في تارودانت ملتقى نسج شبكة العلاقات الثنائية ما بين القارات وصاحب المنتجع وامتداد ذلك في البرجوازية العالمية التي تبحث لها دائما عبر العالم عن أماكن منزوية بعيدا عن العيون المتلصصة والآدان المتجسسة، سنة 1972 توفي البارون، فآلت الأمور لزوجته لتقوم سنتين بعد ذلك ببيع دار الضيافة بسبب مقومات التسيير والتدبير الضخمة التي تتجاوز مجهوداتها الداتية. مساحة الفندق المبنية تقارب 8000 م² أما المساحة الاجمالية فتقارب 15 هكتار ثم اقتطاعها من الضيعة الفلاحية التي تتجاوز 100 هكتار، شطرها الشمالي بنى به البارون فيلا سكناه الشخصية وسط حديقة رائعة، بينما الشطر الجنوبي شيد به دار الضيافة التي سماها الغزالة الذهبية، بقيت الغزالة الذهبية في ملكية خاصة، بينما سكنى البارون ومعه بقية الضيعة الفلاحية المسماة “ضيعة الحصن” حازتها الدولة بمقتضى ظهير استرجاع املاك المعمرين مباشرة عقب الاستقلال؛ بعد تسمية تارودانت عمالة اقليم سنة 1982 من طرف المرحوم الحسن الثاني، عين عبد اللطيف البواب أول عامل على تارودانت فسلم فيلا البارون للكاتب العام للعمالة محمد شنتوف باعتبارها سكن وظيفي، وكانت تلك فرصة ليستفيد شارع حي سيدي بلقاس من شبكة الكهرباء والانارة العمومية من أجل ايصال شبكة الكهرباء لسكن الكاتب العام/البارون، قبل انتقاله فوتت له، من حسن السعد لما عرضها شنتوف للبيع بعد مغادرته تارودانت، اشتراها الكريم الحاج محمد الدعداع الروداني الذي يقيم بها الى اليوم ولائم على شرف ضيوف تارودانت وأهل المدينة ، وهي فرص وصفحة بالنسبة لمن ليس له اطلاع على الأمجاد التاريخية لتارودانت ليكتشف بعضا من جوانب المدينة التي طواها التاريخ ولفها النسيان وأضحت في خبر كان. 1980 تحولت “الغزالة الذهبية” بالشراء الى يد مستثمر سعودي هو الشيخ ابراهيم كامل أدهم مؤسس المخابرات السعودية ومديرها وخال وزير الخارجية السعودي السعود الفيصل وصهر الملك فيصل رحمة الله عليه ومستشاره الأول ـ توفي كامل أدهم 1999ـ وهو صاحب أكبر حصة أسهم الى جانب ابنه مشعل أدهم ومغربية وسعوديين، هنا تحولت صفة “الغزالة الذهبية” من دار للضيافة الى شركة استثمار سياحي، بإشراف وادارة مغربية، فأستحدث بها ورشة للنجارة والزخرفة الخشبية وورشة الحدادة العصرية ، و مصحة طبيب المداومة ومستنبت تموين المطبخ Jardin potager واسطبل الخيل وبعض رؤوس البقر والغنم ومصبنة وجميع متطلبات الخدمة الفندقة الراقية بقواعد دقيقة ونظام محدد؛ في بداية هذه الفترة كان يتم تغيير الديكورات الغير الثابتة وأثاث التجهيز المنقول سنويا، يشعر معها الضيف الاستثنائي بلمسة تجديد أثناء كل زيارة، ما جعل جلهم يرتبطون بالمنتجع لقضاء إجازتهم السنوية حتى أصبحوا وجوها مألوفة، نذكر منهم جاك وبرنديت شراك مند كان عمدة باريس، ولما أصبح رئيس الدولة دأب على احياء احتفالات عيد الميلاد المسيحي بالمنتجع، لما تبين أن عملية تجديد الديكور سنويا مكلفة، شيدت مجموعة من الأجنحة/ BANGALOTS متوسطة المساحة بنمط معماري فريد يزاوج بين النموذج الغربي في التأثيث والمغربي في البناء، تلبية لذوق الضيوف النزلاء الذين يترددون على المنتجع على الأقل سنويا ويعشقون لمسات التغيير. هدوء المكان وانزواؤه وسط محيط طبيعي جل أشجاره أصيلة منها المعمرة التي خلفها البارون، جعل تلك الأشجار الباسقة الأغصان تستضيف كل مساء أسراب من الطيور المحلية التي تطرب كل صباح سماع الضيوف بتغردة سمفونية شجية كلما لاح احمرار الشفق في الغرب أو شعاع الشمس من الشرق، يطل من بين الأغصان ويتسلل برفق الى غرف النوم ليوقظ الضيوف بهدوء ورقة. في تعليق على مقال للجريدة الالكترونية هسبريس ليوم الجمعة 27 يونيو 2014 يعتبر الوعاء العقاري للمشروع في ملك وزارة المالية (الأملاك المخزنية) اكتراه منها كمال أدهم، لما توفي الرجل كان عندنا في المغرب وزير للمالية على معرفة وثيقة بالفاسية بنـــــ… فحول عقد الايجار الى اسمها بحكم وصايته على الأملاك المخزنية وهنا ابتدأت قصة فصولها طويلة // فعلا فصول طويلة بدأت من تارودانت واكادير داحل أروقة المحاكم بمختلف درجاتها واختصاصها بين ورثة كامل أدهم وشريكته المغربية، هي أحداث حالية لازالت لم تكتسب صفة التاريخية .

10173810_231665147043093_6531511875345977243_n كل زمن وتارودانت بألف خير