الحداثة كما تعلمتها

آخر تحديث : الأحد 5 يوليو 2015 - 4:58 مساءً
2015 07 05
2015 07 05

بقلم/ عزالدين بونيت توشك كلمة حداثة ومشتقاتها أن تصير سبة. فقد أضحت تؤثث قاموس شتائمنا العريض. والحال أن كل القضايا التي تنتظر منا حوارا مجتمعيا جديا لا تكاد تتناول إلا في فورة من الشتم المتبادل بين أطراف المجتمع. ويتكون الانطباع لدى متتبع النقاشات الجارية أن فهم ما يقوله الآخر أمر مستحيل التحقق، حين يكون المتحاورون من ضفاف إيديولوجية مختلفة. لا أحد يبذل جهدا لمحاولة فهم مخاوف الآخر وانتظاراته.. وبالعودة إلى كلمة حداثة، لا أدري لماذا يعتبر المحافظون عندنا أن الحداثيين هم أناس بلا أخلاق وبلا وازع ديني وأنهم مجموعة من المنحلين الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. ولتأكيد هذا المحتوى ، وإعلان هويتهم الإيديولوجية المحافظة، أكثر المحافظون هذه الأيام من الاستشهاد بفقرة مقتطفة من كتاب التحدي للراحل الحسن الثاني، الذي حكم المغرب بيد من حديد خلال النصف الثاني من القرن الماضي، مرصعة بصورة له تعود إلى فترة سطوته الكبرى.. يقول الحسن الثاني في هذه الفقرة أنه إذا كان المقصود بالحداثة هو الإجهاز على مفهوم الأسرة والسماح بالمعاشرة الحرة خارج مؤسسة الزواج، والإباحية في اللباس، فهو يفضل أن ينعت بأنه محافظ.. لنكن واضحين تماما: هذه الفقرة تنطوي على كثير من الديماغوجية.. في النقاش الدائر اليوم، لا أحد يقول إن الحداثة هي الانحلال والمعاشرة الحرة والقضاء على مفهوم الأسرة.. الاستشهاد بهذه الفقرة هنا مغالطة واضحة. النقاش هو حول دولة القانون والعدالة والمؤسسات، وحول مضمون المواطنة. الحداثة التي نتحدث عنها هي بكل بساطة أن يتحمل كل شخص نتائج أفعاله في دولة تعاقدية قائمة على المشاركة وليس على التسلط والمزاجية والانتقاء في تطبيق القانون.. المعتدي ينبغي أن يسمى معتديا والضحية ضحية، ولا يغير من الأمر شيئا أن يكون الضحية مخطئا أو حتى مجرما.. الحداثيون الذين ننتمي إليهم يرفضون العودة إلى العصور الوسطى، حيث كان التشهير بالأشخاص على الملأ وتنفيذ العقوبات العشوائية الخاضعة للمزاجية والمصادفة واعتبارات غير معروفة، والتي تستهدف إيذاء الجسد، وأحيانا المس بالحياة، واستعمال المعاقبة على رؤوس الأشهاد وتحت صياحهم، كوسيلة لتخويف الآخرين. الحداثيون يرفضون نموذج مجتمعات العصور الوسطى حيث تبيح مجموعة لنفسها الإجهاز على من تعتبره يستحق لذلك، ودائما يكون المستهدفون من الفئات الضعيفة في المجتمع (النساء، المرضى، الغرباء..). الحداثيون أشخاص يرفضون العيش في في مجتمع ودولة قائمين على التخويف والإرهاب الذهني والجسدي، ولا يتمنون العيش في دولة شمولية تتدخل في كل شيء وتسلب الناس إرادتهم وتلغي مفهوم المحاسبة.. وتعوضه بالإجبار والقهر. في دولة الحداثة ليس الجنس هو مدار كل الاهتمامات، بل التنمية والعدالة والتعاون المثمر لفائدة الأجيال المقبلة.. في دولة ومجتمع الحداثة: العلاقات الوحيدة التي تربط بين شركاء الوطن هي القانون بما يحدده من حقوق وواجبات مترتبة على هذه الحقوق. دولة الحداثة لا يعنيها من الأخلاق إلا ما يرتبط بالحقوق والواجبات.. وما عدا ذلك يحال على الضمير والوازع الديني ووازع الحكمة، ويترك لمشيئة الله: إن شاء عاقب وعذب، وإن شاء رحم وغفر… ذلك أن الدين كما يفهمه الحداثيون المؤمنون، ليس شريعة وفقها فقط، بل هو عقيدة وأخلاق وحكمة أيضا.. العجيب أن الحداثيين ليسوا بالضرورة أشخاصا لا دينيين.. والأعجب أن اللادينيين ليسوا أشخاصا بلا أخلاق وبلا ورع.