الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم تحمل رهان حكامة ناجعة لمنظومة التربية والتكوين

آخر تحديث : الأربعاء 23 سبتمبر 2015 - 4:52 مساءً
2015 09 23
2015 09 23

يحمل إصلاح منظومة التربية والتكوين الذي ترسم الرؤية الاستراتيجية 2015- 2030 للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أهم ملامحه، رهانا رئيسيا. ويتعلق، هذا الرهان بتفعيل حكامة ناجعة تساهم في الارتقاء بجودة التعليم. فقد ظلت الحكامة من بين الإشكاليات العرضانية التي تواجهها المدرسة منذ عقود، سواء في بعدها المتعلق بنجاعة التدبير، أم في أبعادها الأخرى ذات الصلة بالمشاركة، والشفافية، وربط المسؤولية بالتقييم والمحاسبة. وبالنظر للرهانات المعقودة على المدرسة في تنمية وتأهيل الإمكان البشري، في ظل ما أفرزته التحولات التي عرفها المجتمع المغربي من توجهات عامة تضع الحكامة الناجعة في صلب تطوير النسق المجتمعي برمته، فإن المدرسة المغربية معنية أكثر بالانخراط في هذه التحولات، واستدماج مستلزمات هذه الحكامة، بغاية تحقيق النجاعة والفعالية في مختلف إنجازاتها، بما في ذلك النجاح في تحقيق أهداف الإصلاحات الحالية والمرتقبة. وفي هذا السياق، يحدد ملخص التقرير المتعلق باستراتيجية المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، أهم التحديات، التي يتعين رفعها في هذا الشأن، في مستويات تشمل تحقيق التقائية السياسات والبرامج العمومية، وإرساء نظام للحكامة الترابية للمنظومة في أفق الجهوية المتقدمة، من خلال تحديد واضح للسلط والأدوار والمهام بين الدولة الناظمة التي تحدد التوجهات الكبرى والاختيارات الاستراتيجية والمعايير الضرورية، وآليات التنفيذ، والتتبع والتقييم، وبين الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين وبنياتها المحلية (النيابات والمؤسسات التعليمية)، والجامعات ومؤسسات التعليم العالي والبحث، التي يفوض لها صلاحيات ومهام التدبير على المستوى الترابي، مع منحها المزيد من الاستقلالية فيما يتعلق بتدبير الكفاءات البشرية، توظيفا وتكوينا وتقييما وترقية، وكذا للقطاع الخاص. وفي المستوى ذاته، يتم إرساء استقلالية المؤسسة بوصفها الخلية الأساسية للمدرسة، ومأسسة فكرة مشروع المؤسسة لتنميتها المستمرة وتدبيرها الناجع، فضلا عن نهج اللامركزية وتعزيز تفعيلها في انسجام مع روح وتوجهات الجهوية المتقدمة. كما تشمل التحديات مستوى إرساء مقومات الشراكة بين الأطراف المعنية في إطار تعاقدي، بين الدولة ومؤسسات التربية والتكوين من جهة، وبين الفاعلين الاقتصاديين والقطاع الخاص، والمؤسسات العمومية الترابية (الجهات والجماعات الترابية خصوصا) للنهوض بالمدرسة.

ويتطلب مستوى إرساء نظام معلوماتي مؤسساتي لقيادة المنظومة التربوية وتقييمها، أساسا إحداث منظومات معلوماتية متكاملة وربطها بمنظومة وطنية مندمجة توفر المعطيات المتعلقة بجميع مكونات المدرسة، وتتيح إمكانية معالجتها على النحو الذي يساعد المسؤولين على اتخاذ القرار، فضلا عن وضع آليات لضمان الحصول على المعلومات الموثوقة والعمل على نشرها، وذلك في إطار تفعيل المبدأ الدستوري الضامن للحق في الحصول على المعلومة. وعلى مستوى تمويل منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، يستند هذا التمويل على مجموعة من المبادئ الموجهة، والاختيارات الكبرى. فبخصوص المبادئ الموجهة، تؤكد الاستراتيجية على اعتبار الإنفاق على المدرسة استثمارا في تأهيل الإمكان البشري وتنمية البلاد، فضلا عن كونه إنفاقا على خدمة عمومية، مع ملاءمة غلافه المالي مع الحاجيات المستقبلية للمدرسة، والاختيارات الاستراتيجية للمغرب، واستمرار الدولة في تحمل القسط الأوفر من التمويل مع تنويع مصادره، فضلا عن ضمان مجانية التعليم الإلزامي باعتباره واجبا على الدولة، وعدم حرمان أي أحد من متابعة الدراسة بعد التعليم الإلزامي لأسباب مادية محضة، إذا ما استوفى الكفايات والمكتسبات اللازمة لذلك، وكذا الالتزام بواجب التضامن الوطني في تمويل المدرسة. أما الاختيارات الكبرى، فتشمل رصد التمويل اللازم، والسهر على تدبيره الناجع، على نحو يمكن المدرسة من تحقيق متطلبات الإنصاف وتكافؤ الفرص والجودة والارتقاء الفردي والمجتمعي، ومواصلة الدولة لمجهود الرفع المستمر من الغلاف المالي المخصص لتمويل المدرسة وتقويته، فضلا عن اعتماد برمجة متعددة السنوات للميزانية المخصصة لتمويل المنظومة، مع تحصين هذه الميزانية بجعلها في منأى عن التقلبات الظرفية الاقتصادية والمالية.

كما تتضمن الاختيارات ترشيد الإنفاق العمومي على التربية والتكوين والبحث العلمي، وضمان توازنه بين التسيير والتدبير، وبين الاستثمار في المجال التربوي والتكويني والعلمي، وتيسير المساطر المالية وتبسيطها، وتعميم وإلزامية التعليم الأولي في حدود المدى المتوسط، بإسهام من الشركاء المعنيين كافة، لاسيما الجماعات الترابية، بما يتلاءم مع اختصاصاتها ومواردها وفق شروط مؤطرة من قبل الدولة، وتحسين طرق استهداف الفئات المستفيدة من الدعم الاجتماعي، وتعزيز برامج الدعم المالي لفائدة ضمان تمدرس أبناء الأسر المعوزة. في السياق ذاته، تتلخص هذه الاختيارات أيضا في إعمال تمييز إيجابي من حيث التمويل لتأهيل التعليم بالوسط القروي، للحد من الفوارق الترابية، وتحقيق المساواة بين الجنسين، وتنويع مصادر تمويل التربية والتكوين والبحث العلمي، إلى جانب ميزانية الدولة، ولاسيما عبر تفعيل التضامن الوطني والقطاعي، وإحداث صندوق يمول من الدولة والخواص لتعميم التعليم والتكوين وتحسين جودتهما، مما سيمكن من إسهام باقي الأطراف المعنية والشركاء، لاسيما الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص، فضلا عن إقرار رسوم التسجيل في التعليم العالي، وفي مرحلة لاحقة في التعليم الثانوي التأهيلي، مع تطبيق مبدأ الإعفاء الآلي على الأسر المعوزة.