الرما : ملتقى ثقافي بنكهة تضامنية بمنطقة امدلاون الكبرى.

آخر تحديث : الإثنين 19 يناير 2015 - 11:30 مساءً
2015 01 19
2015 01 19

دنيا بريس/ بقلم ذ. محمد آمداح تحدث مؤرخنا واديبنا الاستاذ القدير اطال الله عمره احمد بوزيد الكنساني ( فتى الاطلس) في كتابه “احواش : الرقص والغناء الجماعي بسوس : عادات وتقاليد ” الصادر ضمن منشورات عكاظ 1985 عن تقنيات الرقص الجماعي بسوس، وانواع رقصات احواش واشكالها التعبيرية وعن المظاهر الفنية بسوس ومن بينها الرما كطقس فرجوي مثير. وخلال هذه السنة عرفت المنطقة التي تحدث عنها الاستاذ نفسه في كتابه الثاني المتميز المعنون ب ” من تاريخ الاطلس الكبير” الصادر ضمن منشورات جمعية تالكجونت للتنمية والاعمال الاجتماعية 2009، وهي “امدلاون – ايت تامنت – واكونسان” باسيف ادوزداغ ( أنظر صفحات 91-105-128-129) انتعاشة كبرى بتنظيم الرما في كل قبيلة من هذه القبائل. فما الهدف الاساسي من تنظيمه؟ وماذا سيحقق للساكنة باعتباره موروثا ثقافيا يربط بين الأجيال؟ إن القبائل السالفة الذكر تابعة اداريا للجماعة الترابية سيدي عبدالله اوسعيد قيادة اكلي دائرة اولاد برحيل – اقليم تارودانت تصدح حبا ووفاءا وترحب بزوارها خاصة في فصل الصيف، وهنا تغتنم القبائل فرصتها للاحتفال بالرما اي ما يسمى حاليا بالمهرجان، فغالبا ما ينتدب السكان مجموعة صغير ذات خبرة وتجربة في التنظيم لتكثيف اتصالاتهم لجمع التبرعات قبل موسم الرما كل حسب استطاعته مع اعفاء الفقراء ودوي الدخل المحدود دون اقصائهم من الحضور لموعد الرما، فكل يحضر اثناء الدبيحة حسب عادات سكان القبيلة وفي اليوم المحدد تتقاطر وفود الزوار من المدن المغربية ومن خارج ارض الوطن الى مكان انعقاد الموسم لان وقت انعقاده يكون محدد سلفا والغريب ان كل ابناء القبيلة يشدونا الرحال الى مسقط راسهم لحضور هذا الطقس الثقافي الجميل. ان ما يمتاز به بلدنا المغرب من موقع جغرافي متميز وما يزخر به من امكانيات اقتصادية وموارد طبيعية هائلة عبر التاريخ تشكل عمقا استراتيجيا حاسما وقاعدة يتأسس عليها كيانه ووجوده والتي مكنته من القيام بالدور التاريخي المستمر في الاحداث والتحولات التاريخية والحضارية التي شهدتها هذه المنطقة من بقاع العالم، ومنذ القدم كرست هذه العوامل ارادة الشعوب الأجنبية الغازية للاستيلاء على المغرب طيلة حقب مختلفة منذ فترة حكم الممالك الامازيغية ( 747 ق.م 930 ق.م) التي يرجع لها الفضل في طرد الاستعمار الروماني من المغرب بفضل مقاومة يوبا الثاني وتكفاريناس، وطرد الاحتلال الفينيقي والقرطاجي من التغور المغربية المطلة على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الاطلسي، اضافة الى الاستعمار الفرنسي والاسباني لبلدنا الذي أدى الى ظهور المقاومة المغربية التي شملت مجموع مناطق بلدنا لاصرار المغاربة الحصول على الاستقلال دفاعا عن الوحدة المغربية وقد حصلنا والحمد لله على الاستقلال سنة 1956 بفضل التلاحم بين العرش والشعب في عهد المغفور له الملك محمد الخامس بطل التحرير وفي عهد مبدع المسيرة الخضراء المغفور له الملك الحسن الثاني والذي استكمل المغرب في عهده وحدته الترابية، وعرف المغرب عهدا جديدا متميزا بالرخاء والازدهار في عهد جلالة الملك محمد السادس نصره الله. فلا غروة اذن ان المغاربة وهذه القبائل من ربوع مملكتنا يسكنها روح التضامن والصمود من تقاليد توارثها الأبناء والآباء من الآجداد، ومن شأن هذه الخصال الحميدة ان تجعل الأخوة سائدة بين الناس، فالرما له أهمية كبرى لما يقوم به من دور اقتصادي وسياسي واجتماعي وثقافي بسوس بين القبائل ، فهو مناسبة لتبادل وجهات النظر في قضايا مختلفة تهم الشأن العام للقبيلة والقضايا ذات الاهتمام المشترك مثل ( محاربة الرعي الجائر – تنظيم مراحل جمع الغلة السنوية والسقي بالتناوب وتنظيم عملية صلة الرحم بين القبائل لزيارة بعضها البعض في اطار تناوب، لان الرما بين هذه القبائل يتم بالتناوب لتعميق صلة الرحم بشكل قوي بل حتى بعض القبائل البعيدة تزور المنطقة، بل أكثر من ذلك تكون المنطقة جذابة للزوار في فصل الصيف في اطار السياحة الثقافية وتتيح الفرصة للزوار لبيع غلتهم ومواشيهم، بل تنعقد اللقاءات بين مختلف القبائل من خلال المناسبات التي تجمع الناس على موائد الأكل او جلسات حميمية اثناء الرما والتي تتيحها المقاصد والمصالح المشتركة . وينتهي الرما بتقديم رقصات احواش : رجال / فتيات، وهذا ناذر في مجتمعنا الحالي لان احواش تحول من مرحلة الهواية الى مرحلة الاحتراف ، فالشعر وانشاده بين الرجال والنساء الذين يرسمون لوحات زاهية مع الجودة في الآداء والعلم بالالحان والاوزان والرقص. في هذا الجو الطافح بمشاعر الفرح والسرور يستقبل الناس كل الزوار للاستمتاع بالرما الذي هو موعد سنوي يجمع الناس على التآخي والألفة بعيدا عن السياسة وعن هموم الحياة اليومية ، فالرما امدلاون الذي يحتضنه دوار تاكموت برياض المرحوم الحاج مسعود آمداح ذلك المنزل الشامخ شموخ الاطواد المحيطة به كوسيطة عقد في سبخة تتخللها اشجار البرتقال والتفاح والجوز وحتى في عهد ابنه المرحوم الحاج الحسن امداح ذاكرة المنطقة بامتياز ، وفي عهد أولاده الآن مازال هذا الرياض الشامخ يحتضن حفلات احواش خلال مناسبات أخرى كالصيف وعيد الاضحى ويعود تاريخه لسنة 1900 م ( انظر للمزيد من التفاصيل يوتيوب ” Medlaoua” ) للاطلاع على جمالية المنطقة، ورما تزوضت الدي تنشطه فرقة احواش اكونسان بتنشيط الشاعر الحسين ابراهيم بوزيد والشاعر الحسين ايت عبدالسلام ازماون واحمد اوكا المدلاوي والحسن نايت همو وغيرهم كثير دون نسيان الرما الكجان الذي يعود الفضل في تنظيمه للفاعل الجمعوي الحاج عبدالله اكضاش بتعاون مع ساكنة الدوار ويستغرق ثلاثة ايام، هذا الاخير استطاع لوحده تنظيم مهرجانات محلية بمنزله من خلال استقبال فرق موسيقية مختلفة من المنطقة وخارجها ساهمت في اندماج ساكنة المنطقة مع الزوار، مما جعل الرما اذن يساهم في اخراج هذه المناطق من الاطلس الكبير الغربي ، منطقة ادا وزداغ بالخصوص من عزلتها وابرازها الى الوجود ، وحتى الذين قادتهم ظروفهم الاجتماعية الى مدن كبرى بفعل الهجرة وبحثا عن المعيشة يلتقون لصلة الرحم وتواصل الأحبة ولقاء الخير واليمن والبركات. كما تنعقد مواسم أخرى بامدلاون احتفالا بعيد المولد النبوي الشريف بدوار انليف الذي تحول الى قبلة لعشاق السياحة الجبلية التضامنية من خلال توافد العدد الكبير من عشاق المعروف الذي احتضنته المنطقة يومي السبت والاحد 10 و11 يناير 2015 ، و بعد ينعقد موسم المعروف دواري انزيغ وامليل بجماعة سيدي عبدالله وسعيد. وآخيرا فالرما لايحتاج الى دعوات مكتوبة واختام وتوقيعات ولكن وراءه التزام اجتماعي من كل ابناء الاطلس الكبير الغربي فعندما تنادي “تمازيرت” يقول الجميع نعم. ولعمري هذه العادة الثقافية لا يمكن الوصول اليها لا بالخطب ولا بالكلام المنمق الفصيح ولكن هي سلوكات ومواقف رضعها ابناء هذه القبائل مع حليب الأم ونتمنى ان يساهم الرما بشكل فعال في ازدهار السياحة الثقافية وتحقيق التنمية المستدامة بهذه الربوع الجميلة من وطننا الحبيب.

1