المدرسة الأهلية للتعلم/ ثا.ابن سليمان الروداني الجزء الثاني والأخير

آخر تحديث : الإثنين 23 فبراير 2015 - 1:57 صباحًا
2015 02 23
2015 02 23

دنيا بريس/ مدونة : علي هرماس 1930 تقدمت حرم المقيم العام الفرنسي بالمغرب الجنرال ليوطي بطلب شخصي الى السلطان محمد بن يوسف، قصد تمكينها من أرض حبسية لبناء دار نقطة حليب/ الميتم حاليا باعتباره يمثل السلطة الشرعية الوصية على قطاع الأحباس بالمملكة الشريفة، وفي السنة الموالية 1931 تقدمت سلطات الاحتلال المحلية في تارودانت بطلب آخر الى جلالته قصد تمكينها من قطعة مجاورة يسري عليها نفس النظام العقاري يفصل بين الإثنين طريق، ليتضح لنا بالحجة العدلية والدليل التاريخي أنه رغم مساوئ الاحتلال، كان أحرص على عقارات الوقف الشرعي الاسلامي من القائمين على تدبيره بعد الاستقلال الى الأمس القريب، وقد ذكرت في مدونة سابقة ” مستكشفات أم عملاء” أن أولئك الفرنسيات يعلمن جيدا أن الجنرال ليوطي يمنع قطعيا على الأوربيين والضباط والجنود الدخول الى المساجد احتراما للإسلام، ومن أوجه هذا الاحترام وثيقة عدلية حررت بعد عقدين من توقيع عقد الحماية، تبين أنه رغم تمكنها لم تجرأ سلطة الاحتلال على وضع اليد لا عنوة ولا تحايلا على فدان يسري عليه نظام الأحباس، لذلك فضلت اتباع مسطرة تقديم طلب الموافقة لأجل المصلحة العامة رفع لجلالة محمد بن يوسف وهذا مضمّن جوابه الشريف:>> خديمنا الأرضى ناظر أحباس رودانة الطالب الطيب الفاسي وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله وبعد، فقد اطلع علمنا الشريف خديمنا وزير عموم الأوقاف بما راج في شأن المعاوضة الحبسية المعروفة بلويحة جنان البارود التي الغرض عليها لبناء المدرسة الصناعية الى ان قومت رقبتها بالف فرنك والتي بمساحتها مائة وأربعة وثمانون مترا مربعا كما بالموجب الواصل، وعليه فنامرك بعقد معاوضة هذه القطعة مع ادارة الأملاك المخزنية وحيازة القدر المذكور منها واشتراء العوض به لحبسه فقط والسلام. في 21 رمضان المعظم 1349 قد سجل هذا الكتاب الشريف بوزارة الأوقاف بعدد 2560 تاريخ 2 شوال عامه موافق 20 أبراير سنة 1931 محمد ملين لطف الله به<<. يمكن تسجيل ملاحظة حول شكليات تحرير العقود العدلية فالمساحة هنا معيارية وليس تدقيقية، ثم جاء نظام تحديد قياس المساحة بالخطوة طولا وعرضا للتقريب بإفراط أو تفريط، وأخيرا اليوم التحديد بتسمية الجهة والجوار مع ضبط المسح الطبوغرافي. المدرسة الصناعية المذكورة في العقد العدلي هي جناح التطبيق بالمدرسة الأهلية مجانب لقاعات الدروس النظرية، عبارة عن مرآبين عملاقين طولا وعرضا وارتفاعا gigantesques hangars، تعلوهما سقوف هرمية واجهتها الجنوبية من الخرسانة بينما الواجهة المقابلة الشمالية من الزجاج، لأن قرص الشمس ما بين شروقها وغروبها بتارودانت يكون بمنحنى جنوبي وهو ما يمكن من نفاذ ضوء الشمس دون دخول أشعتها التي قد تصبح مزعجة أثناء الأشغال التطبيقية، المرآب الأول خصص لمعمل نجارة الخشب والاطارات الخشبية، بينما الثاني معمل الحدادة لتعديل وتشكيل الحديدatelier de menuiserie charpente, atelier de forge et ajustage . لما وصل بنا المسار الدراسي الى هذه المؤسسة سنة 1980 وجدنا أحد المرآبين تحول الى قاعة للمراجعة وتداريب الأنشطة التربوية،،، أما الآخر فحازته نيابة التعليم لاستغلاله مخزن المواد الغذائية الخاصة بالمطاعم المدرسية. بعد إجراء امتحان شهادة الدروس الابتدائية المتوسطة C.E.P.M لأول مرة في تاريخ تارودانت سنة 1941، تقرر فتح الداخلية شهر نونبر الموالي، وقد انتهى مشروع بناءها شهر دجنبر 1939، أغلب الظن الذي يغلب فيه شق اليقين على هامش الشك كانت في المقر الذي أسسه/اتخذه فور كلاوديوس بحومة سيدي حساين ـ الجشتيمية ـ على اعتبار أن المقر يعد قبل هذا بقرون، سكن طلبة العلم التابعين لمدرسة المسجد الجامع الكبير مند عهد الدولة السعدية، وبعد الاستقلال اتخذ مرحليا لنفس الغرض من طرف جمعية علماء سوس في انتظار تأسيس داخلية معهد محمد الخامس. السلطان سيدي محمد بن يوسف، كما يسمى فوق منبر المساجد الجوامع الأربعة التي تقام بها صلاة الجمعة بتارودانت، للتذكير فالوطنيون الرودانيون كانوا يفضلون اسم محمد بن يوسف، أما لقب السلطان فهو إحالة على تسمية فترة الحماية الفرنسية، فيما لقب ملك المغرب يرمز لمرحلة الاستقلال، لذلك تم اعتمادها كتابة أسفل صوره الرسمية الادارية مند فجر الاستقلال، كانت إحداها بالأبيض والأسود معلقة مباشرة قبالة مدخل مكتب البريد بالمحايطة، المكتب الذي شيد في عهد الحماية، وكان جميع الموظفين به من أبناء تارودانت خصوصا فترة الستينات والسبعينات ويستلهمون من تلك الصورة اعتزازهم بالوطنية وتفانيهم في خدمة الوطن، وقد أزيلت بعد الاصلاحات الأخيرة صورة السلطان رمز الاستقلال، سامح الله المدير المسؤول عن إزالتها بانزالها من دون رجعة، لأنه جاهل بتاريخ تارودانت ورجالاتها وعلاقة محمد بن يوسف بهم وتعلقهم به، هو الذي شرفهم في مدينتهم بزيارتين كريمتين، واستقبل وفادة جمعهم بقصره مرة، وسافر حتى سجن القنيطرة مباشرة بعد الاستقلال رفقة وزيره في العدل عبد الكريم بن جلون ومدير الأمن محمد الغزاوي لفتح باب الزنزانة الجماعية وخروج مجموعة تارودانت يفوق عددهم 20 فردا، منهم من حكم بالإعدام ومنهم 20 سنة وما دونها فداء للوطن والسلطان. من أوجه هذا الارتباط المحمدي الروداني، أن السلطان محمد بن يوسف حل بتارودانت ونزل ضيفا وطنيا كبيرا بين أهلها وقضى ليلته في قصر دار البارود الذي يملكه المستثمر الحسين الدمناتي، صباح يوم الخميس 28مارس 1945 على الساعة التاسعة والنصف صباحا، كان يوما تاريخيا مشهودا بالمدينة، حيث تفضل السلطان مرفوقا بالأمير مولاي الحسن، في استقبالهم السلطات العسكرية الفرنسية يتقدمهم العقيد كوفان Coufins le colonnel قائد ناحية أكادير وطرفاية، والعقيد دزورطيي Deshorties قائد القيادة المحلية، والعقيد العبادي Abbadi رئيس الدائرة… تقدمت السيارة الملكية المكشوفة، نزل السلطان بجلبابه الأنيق والطربوش المنسوب اليه ـ طربوش محمد الخامس ـ زَيّ مغربي يسمو بهيبته السلطانية، مشى محمد بن يوسف وتقدم بخطى وطنية ثابتة فوق أديم رودانة، أديم من دون غبار بعدما لاَنَ واستكان تحت بلغته البيضاء، وقام بزيارة لأبنائه بدار نقطة حليب/الميتم التي وافق على بناءها بهدف انساني نبيل ليس إلا، كما ذكر الأديب الروائي المهندس الروداني موسى حميمو،،، بعد خروجه منها عرّج ودخل المدرسة الأهلية للتعلم التي تغير اسمها قبل هذا التاريخ بسنوات قليلة وأمست تسمى المدرسة المهنية الفرنسية الاسلامية، ذكر لي غير ما مرة الفاضل الكريم الحاج أحمد الحاتمي والفرحة تغمر أساريره الى اليوم وهو وقتئذ تلميذ بالمدرسة، كيف كان جميع التلاميذ متلهفون لرؤية السلطان في خضم استعدادات اللحظات الأخيرة، وأنه كان صاحب الحظ السعيد من بين 312 شخصا هم مجموع تلاميذ المدرسة المهنية الفرنسية الاسلامية بتارودانت سنة 1947، حيث وقع عليه الاختيار قبل الموعد بأسبوعين، تكلف به المرحوم سي عبد الله أوروس ليعينه على حفظ مقطع قرآني من سورة الفتح ” إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (1) لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (2) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا …” بينما المرحوم الفقيه سي رشيد المصلوت تكلف بتعليمه قواعد التجويد والتمرّن على أدائه، لتفتتح به الزيارة الميمونة بين يدي السلطان ترحيبا بقدومه ودليلا على عمق المبادئ الوطنية الاسلامية بالمدرسة الأهلية رغم ظروف الاحتلال، في هذه الزيارة المباركة بكل ما تحمل من معاني الخير والبركة، قرر محمد بن يوسف، في مفاجأة محمودة تاريخية هي الأخرى لم يفصح عنها من قبل، قرر تغيير اسم المدرسة المهنية الفرنسية الاسلامية بتارودانت في الحين باسم ثانوية ابن سليمان الروداني، وسيرد له رمزيا عموم الوطنيين الرودانيين وجمعية علماء سوس الجميل بعد حين من الزمن، لما سمحت الظروف الوطنية غير هذه، بإطلاق اسم محمد الخامس على المعهد الاسلامي بتارودانت سنة1958، حيث شرفهم السلطان شخصيا بوضع حجر الأساس إيدانا ببداية أشغال البناء والتشييد. ابن سليمان الروداني الرجل والشخصية والأسطورة، البحر الذي جمع ما بين العلوم الدينية والدنيوية النظرية منها والتطبيقية، ولد بتارودانت سنة 1037هـ/ 1626م، جاب مغرب أرض الاسلام ولم يسعه رحابه فشد الوثاق وجمع الرحال في وقت مبكر من تارودانت نحو مراكش فدرعة فسجلماسة ثم فاس فالجزائر فتونس الزيتونة، هذه الأقطار كلها لم يكن ليقنعه الاكتفاء من نهل العلوم فيها بين ما هو معلوم نقله من أصله وما هو قابل للنظر بالعقل والاجتهاد في تطبيقه بمغرب دار الاسلام، فانطلق في رحلة أطول لا يلوي على شيء غير طلب المزيد لسنوات نحو المشرق من جامع الزيتونة بتونس نحو الجامع الأزرق باسطنبول، ثم جامع الأزهر بمصر، ثم بلاد الحرمين الشريفين، فمكة الكرمة التي يطيب بها المقام لكل ناسك متعبد أو عالم ورع متفقد، بها تولى الامامة والفتوى بالمسجد الحرام وهي المهمة التي لا ينالها ويتولاها الا دو حظ عظيم وشأن كبير، لأن عليه جمع كلمة المسلمين على اختلاف فهمهم النظري ورأيهم التطبيقي حول كلمة سواء ليكونوا أمة وسطا من خلال تمكنه العلمي وسداد تأويله العملي، من مكة الى فلسطين ومنها الى دمشق عاصمة الشام ،،، حيث توفي سنة 1094هـ /1683م ؛ بطبيعة الحال مسار حياة ابن سليمان الروداني وتنقله باستمرار من بلد الى بلد طلبا للاستزادة أخدا والافادة عطاء، لم يكن ليمر هينا متيسرا، بل عرف مضايقات وشهد نكايات “لأن الدنيا قرض بوفا ولا تدوم على صفا” وللمزيد من الحيثيات العامة والجزئيات الخاصة حول هذه الشخصية الرودانية التي اختارها محمد بن يوسف اسما لتخلد بتارودانت فوق مدخل ثالث مؤسسة للتعلم العصري في تاريخ المغرب، يُرجع الى مؤلف الدكتور مصطفى بن عمر المسلوتي بعنوان” محمد بن سليمان الروداني حكيم الاسلام ومفخرة المغرب” قام بطبعه الرابطة المحمدية للعلماء، للأسف الشديد رغم المجهود الفكري والبحث العلمي المضني الذي تكلف صاحبه لانجاز المؤلف، لم تقدر المجهود الرابطة التي تبنت الطبع وتولي كبير اهتمام وفائق عناية ليخرج المولود الثقافي في حلة جيدة عوضا عن الطبع بحروف مجهرية مضنية للبصر والتقشف الورقي مما جعله كتاب جيب حجمه الشكلي يتخلف بكثير وكثير عن مضمونه العلمي الفكري.

على بعد أقل من سنة، بالضبط في 28 يناير 1946 الساعة العاشرة صباحا بملعب التربية والرياضة البدنية، لأول مرة في تاريخ ثانوية ابن سليمان الروداني نظمت تظاهرة مدرسية، وأقيم حفل شرف اقتصر على التمثيلية الرمزية لبعض موظفي الادارات المحلية وطاقم الثانوية والتلاميذ، لتكريم روح فور كلوديوس Four Claudius مؤسس المدرسة الأهلية للتعلم بتارودانت سابقا، ثانوية ابن سليمان الروداني لاحقا، في التفاتة لا تخلو من دلالة رمزية بعدما توفي في ميدان الشرف شهر يونيو 1944، “مات من أجل المغرب وفرنسا” عبارة تختتم بها لوحة معدنية تُضمّن تنويه الأمر الوطني الفرنسي لتكريم أرواح قتلى القضية الفرنسية، ويعتبر المدير فور كلوديوس الفرنسي الثاني والأخير بتارودانت الذي يقام له تذكار تكريم بهذا الشكل الرمزي الرسمي، بعد مواطن فرنسي آخر هو طبيب الأهالي “الطبيب الشلح” ارنست ألبيان بول شاتنيير Ernest Albanien Paul Chantinière الذي وصل تارودانت في 1914 وأسس “سبيطار” الكرمة ثم المستشفى الاقليمي الحالي، وأخذ الحدر وركب الخطر في مواجهة جائحة وباء التيفوس Epidémie du typhus الذي ضرب تارودانت خلال العقد الثاني من القرن الماضي، الى أن أصابته العدوى بدوره حيث توفي سنة 1928 ودفن بتراب تارودانت تلبية لرغبته في مستشفى المختار السوسي يمين المدخل الرئيسي، أما عن حفل تأبين فور كلوديوس فقد ترأسه خلفه المدير ريمون بيتو Pitault Raymond الذي نصب اللوحة التذكارية على صارية الممر المقابل لقوس المدخل الرئيسي السابق وليس الحالي المحدث الذي طمس معالم تاريخية لمؤسسة رودانية وطنية عتيدة من المنتظر أن يحتفل في غضون سنوات قليلة بالذكرى المائوية على تشييدها. زيارة السلطان محمد بن يوسف لتارودانت لم تكن لتمر دون أن تعطي دفعة قوية لمحاربة الجهل المعرفي، والرفع من وثيرة الإقبال على التمدرس، والمطالبة بالحق المشروع في التعلم، بعدما أصبح المطلب الثاني في سلم أولويات كتلة العمل الوطني بعد قضية جلاء الاحتلال، هكذا شهدت ثانوية ابن سليمان الروداني سنة بعد أخرى بالتتابع توسيع قاعدة التمدرس والاقبال على التعلم بشكل عمودي من ناحية كتلة التلاميذ وبشكل أفقي من ناحية فضاءات التعلم، في سنة 1947 احدث قسم السادس للدروس التكميلية cours complémentaires 6eme، 1948 فتح قسم الخامس ، 1949 قسم الرابع، 1950 قسم الثالث، وهي المستويات التي تعادل اليوم التعليم الاعدادي، بعدها يضطر أبناء تارودانت النجباء، الذين يجدون في أنفسهم طموحا وتطلعا للمزيد وطلب العلى، ليس بالضرورة من أوساط الأسر الاجتماعية الميسورة، لمتابعة دراسة سلك الباكالوريا التوجه الى ثانوية شارل مانجان بشارع فرنسا تسمى اليوم ثانوية الحسن الثاني بشارع محمد السادس، وبها أتم دراسته أحد أبناء تارودانت من قدماء المدرسة الاهلية 1937 وهو البروفسور عبد القادر التونسي عميد وقيدوم جراحي مستشفى ابن سيناء بالعاصمة الرباط، وهو ثالث ثلاثة أطباء الجراحة العامة مغاربة الجنسية والوطن، فضلوا خدمة بلدهم عوض فرنسا التي درسوا بها الطب، عين 1958 الى جانب كل من عبد اللطيف بربيش و عز الدين العراقي، حاصل على عدة أوسمة ملكية وشرفية ودولية، شغل مدة في إطار تخصصه رئيس مصحة القصر الملكي ورافق المرحوم الحسن الثاني في العديد من زيارات الدولة الى الخارج ،،، هو فقط نموذج واحد من قدماء التلاميذ أبناء تارودانت الذين درسوا بالمدرسة الاهلية/ثانوية ابن سليمان الروداني الى جانب العديد ممن وصلوا مراكز جد سامية في هرم الادارة المغربية أو مجد مرموق اجتماعيا، لكن الاستكانة والطبع الروداني يغلب التطبع الرسمي والمجتمعي كل زمن وثانوية ابن سليمان الروداني بتلامذتها بألف خير

1er Prix (6) DSC03072 numérisation0011 vsl