المرأة والبقرة والخبز الحاف !

آخر تحديث : الثلاثاء 15 مارس 2016 - 3:58 مساءً
2016 03 15
2016 03 15

بقلم / رامية نجيمة عندما كنتُ بعد طفلة صغيرة في صفوف المدرسة الابتدائية؛ وهي الفترة التي يتراوح عمر التلاميذ فيها، ما بين ست وإثنتا عشرة سنة (بداية فترة المراهقة)؛ كان التلاميذ الذكور، من كافة المستويات الدراسية، يُردِّدون أمثالا، كنت أجدها حينئذ، غريبة ومضحكة؛ لا أعرف إن كانوا قد ابتَدعوها، أو أنها من ابتداع أطفالٍ آخرين في مكان غير المكان وزمن غير الزمن… كلّ ما أعرفه، هو أنها (الأمثال) كانت سائدةً جداً في تلك الفترة (وربما اليوم أيضا)، إذْ كانت تَروج في المدرسة؛ داخِل القسم وفي ساحة المدرسة… في أوقات الدراسة وخارجها… كما كانت تروج في الشارع وفي الأزقة حيث يلعب الصبية الكرة، والسباق، والمصارعة الحُرة، وتلعب الفتيات “لاستيك” و”كلومو”… مِن بين هذه الأمثال الغريبة، أتذكّر اثنين، حدَث أن ترسّخا في ذاكرتي حتى أني أذكرهما بين الفينة والأخرى، فينتابني إحساسٌ ممزّق بين ابتسامةٍ وعُبوس. يقول المثلان: “البِنتْ بلا مَكِياج كالخُبز بلا فُرماج” (تُنطق هكذا: فُرْمَاجْ، وهي تعني الجُبن ) ! “البنت بلا حبيب كالبقرة بلا حليب” ! هذه بعض من الأمثلة التي كانت تتردّد في المدرسة، والتي تربّيت عليها وتربى عليها، مثلي، جانب لا يستهان به من نساء ورجال هذه الوطن ! وكما ترون، في المثل الأول، تُشبَّه المرأة التي لا تضع المكياج بالخُبز الحاف. وكما أن تناول الخبز الحاف أو الخبز المَدهون بالزبدة أو زيت الزيتون ليس شهيا كالخبز المدهون بالجبن (ناهيكم عن أنّ الجبن أغلى ثمنا من الزبدة والزيت لذلك فهو ليس في متناول الجميع)، فإن المرأة التي لا تضع الماكياج ولا تهتم بزينتها، لا يمكن أن تكون جميلة، وقيمتها “الإنسانية” في عين الآخر (الرجل ربما) أقلّ من نظيرتها الجميلة المتزينة. وفي كلّ الأحوال يركِّز هذا المثل على أنّ شكل المرأة أو مظهرها الخارجي هو أهمّ ما تملِك، أما السؤال عن سبب ذلك فيأتينا جوابه في المثل الثاني، والذي يبدو جليا من خلاله أنّ المرأة هي كالبقرة (أكرمَكُم/أكرمكُنّ الله )، ولأن قيمة البقرة في الأساس تتجلى في الحليب الذي تُنتجه (وإذا كانت البقرة تنتج الحليب فهذا يعني أن ثمة عِجل) فإن المرأة التي لا يوجد في حياتِها رجل (لأنها ليست جميلة ربما، ومن هنا تشبيهها بالخبز الحاف في المثل الأول) هي امرأة عديمة القيمة، كالبقرة التي لا تلِد ولا ترضع، وإذن، يُعدّ ذبحها وأكل لحمها، أفضل من الإبقاء عليها، لتأكل العُشب وتنتج الروث !

الذي جعلني أتذكر هذين المثلين الآن، هو هذا الكمّ من الضجيج الذي نسمعه، كلّ عام في مثل هذا اليوم… هذا الضجيج المتراكم بخصوص مكتسبات تحقَّقت، وأخرى على وشكِ التحقق، فأتساءل كثيرا: أيّ مكتسبٍ يمكن أن تحققه المرأة، وأية حقوق يُمكن أن تنتزعها، داخِل مجتمع يرضع منذ الطفولة أمثلة ومواقف تحتقر المرأة وتستصغرها…؟ كيف السبيل إلى خلق التغيير في منظومة اجتماعية تعيش داخِل نمطٍ متكرّر، حيث لا يأتي جيل مِن الأجيال، إلا ويسمع في الطرقات وعبر زجاج النوافذ، رجالا لا يحققون انتصاراتهم إلا عندما يُعاير أحدهم الآخر واسِماً إياه بابن العاهرة؟ أما المرأة فإنها يجب أن تصمُت وتتوارى حالَما تُوجه إليها إحدى هاتين اللفظتين وما أكثر ما يحدث ذلك: “العاهرة” و”العانس” ! وهاتان اللفظتان في حدّ ذاتهما تكريسٌ آخر للظلم والتحيّز، طالما يُطلقان لقصف المرأة، وكأن الرجل لا يعرف العهر، أو كأن العنوسة جريمة لا تُغتفر ! تغيُّر الفكرة السائدة عن المرأة في قطاع كبير من المجتمع، باعتبارها الكائن الهشّ، المشدود إلى حبال المطبخ والسرير مهما ارتفع شأنه وعلا -وهو إحدى العوائق التي تحول دون مشاركتها الفعالة في الحياة السياسية والثقافية- رهين بانتفاضة نسوية تبدأ من الداخل، من داخل المرأة ذاتها… المرأة الأم التي تغرس، في نفوس أبنائها، منذ سنِّهم الغض، بذور التمييز بين الذكر والأنثى، حين تُعامل طفليها القادمين من المدرسة على نحو فيه تمييز، فترسل البنت إلى المطبخ، حيث تواصل فعاليات يوم قضت جله في المدرسة (شأنها شأن الولد ) وترسل الولد للهو في الخارج مع أصحابه ! احتقار المرأة وتبخيس شأنها، مصدرهما من عمق المجتمع ذاته، بلغته، وأمثلته، وشتائمه… ونوع التربية التي يقدمها الأهل (والأم خاصة) للأبناء. وما لم ينبع التغيّر من داخل مكونات هذا المجتمع؛ فإن التشريعات والقوانين، مهما حاولت إنصاف المرأة، لن تفلح إلا في الاصطدام مَع الموروثات الثقافية الرجعية السائدة لدى شريحة كبيرة من المجتمع… أي أنها (التشريعات والقوانين) ستكون غير ذات جدوى، تماما، كالبقرة بلا حليب ! لذلك نحتاج إلى غرس الوعي بالدور الأساسي الذي يؤديه كل من الرجل والمرأة داخل المنظومة المجتمعية، عن طريق كل الوسائل الممكنة وعلى رأسها الثالوث: الإعلام العمومي، والمدرسة، والمسجد. وإلا، كيف لرجلٍ شبّ وترعرع منذ نعومة أضفاره وهو يردِّد صُبح مساء: “المرأة بلا ماكياج كالخبز بلا فرماج” أن يَحترم المرأة، وينظر إليها باعتبارها كائنا مكتمل الإنسانية بغض النظر عن شكلها الخارجي؟ وكيف لامرأة شبّت وترعرعت منذ طفولتها الأولى على لازمة: “المرأة بلا حبيب كالبقرة بلا حليب” أن تثق في ما وهبها الله من قدرات، وتسعى لتأدية دورها في الحياة دون التعلّق بتلابيب الرجل؟