النظام السياسي المغربي ومسألة المعارضة

آخر تحديث : الأحد 6 سبتمبر 2015 - 5:46 مساءً
2015 09 06
2015 09 06

بقلم/عزالدين شملال : باحث في الدراسات الدستورية والسياسية

النظام السياسي مغربي ومسألة المعارضة اتَّسَمَ التاريخ السِّيَاسِي المغربي بمعارضة دائمة للنظام السياسي الحاكم، حيث أَحْكَمَ هذا الأخير سيطرته على المشهد السياسي المغربي بعد صراع مرير مع أحزاب الحركة الوطنية، خاصة حزب الاستقلال الذي أراد أن يُحْكِمَ قَبْضَتَهُ على السلطة على غِرَارِ حزب جبهة التحرير الوطني بالجزائر والحزب الدستوري بتونس و حزب الوفد بمصر، هذه الهيمنة السياسية من طرف المؤسسة الملكية جعلتها تتبوأ مكانة سامية على باقي المؤسسات، وتمنح لها جميع الدساتير المتعاقبة صلاحيات واسعة مكَّنَتْها من أن تكون الفاعل الحقيقي والوحيد داخل النسق السياسي المغربي . فبالوقوف على جوهر السلطة السياسية في المغرب يبدو جليا أن المؤسسة الملكية جعلت نفسها فوق المنافسة السياسية مع كونها محور كل العمليات السياسية، فالملكية تُؤَكِّدُ طابعها ” القدسي ” باعتبارها “مؤسسة المؤسسات” وهو ما يؤهلها انطلاقا من المنطق السياسي المهيمن في النظام السياسي المغربي إلى أن تكون “أكبر” من أن تخضع لقواعد التنافس السياسي. وتجد ” قُدْسِيَّة ” الملكية سندها المرجعي في الانتماء لآل البيت الذي شكل إحدى آليات تثبيت شرعية الملكية الحاكمة، فالسلطة السياسية من خلال الدفع بطابعها القدسي تنتج نوعا من ” الإذعان الصامت ” و” الطاعة اللامشروطة ” ويستحيل معها العمل السياسي إلى ممارسة محكومة بمنطق “تفويض السلطة” و”الولاية الكبرى والمسؤولية العظمى” على هذا الأساس يمكن الذهاب مع الرأي القائل بأن القاعدة الأساسية لكل عملية سياسية في المغرب هي استمرارية السلطة الملكية التي “لا يمكن لأحد أن يشكك فيها دون أن يغامر بأن يجد نفسه خارج القانون”، ذلك أن الملك يظل خارج المنافسة السياسية لأنه هو “سيد الإطار وسيد اللعب” على حد تعبير الباحث المغربي في العلوم السياسية الدكتور يونس برادة . و يرى الباحث الأمريكي واتربوري ” أن الملكية استطاعت أن تفرض نفسها متوسلة إستراتيجية دائرية تقوم على تشجيع المنافسات وتشتيت الزعامة السياسية لتعضيد ضرورة وجود رمز يضمن الاستمرارية، وبذلك يتم الانتقال من الزعامة الطبيعية المترتبة عن مكونات المجال السياسي في بُعْدَيْه التلقائي والأصلي، إلى الزعامة المفتعلة التي لا تعدو كونها ترجمة لمبدأ ” فرق تسد” . وبذلك نجحت الملكية إلى حد بعيد في تمييع المشهد الحزبي المغربي، بخلق أحزاب سُمِّيت بأحزاب القصر أو أحزاب الإدارة، وَظيفتُها الأساسية هو الدفاع عن مكانة المؤسسة الملكية وَسُمُوِّهَا عن باقي المؤسسات الأخرى، كما نجحت في إضعاف أحزاب الحركة الوطنية بتشجيع الانشقاقات داخلها، وتذكية الصراعات التي أدَّت إلى تأسيس أحزاب جديدة، هاته الأحزاب التي قاربت الأربعين حزبا أصبحت اليوم كلها تتنافس على كسب ثقة القصر، وعلى نيل شرف تشكيل حكومة جلالة الملك . أمام هذه الكفة الراجحة للملكية بالمغرب تشكلت معارضة يمكن أن نقسمها إلى نوعين : معارضة من داخل المؤسسات تقودها أحزاب لم تستطع المشاركة ـ بسبب أو بآخر ـ في الكعكة الحكومية، ومعارضة راديكالية ترفض المشاركة في هذه اللعبة السياسية التي تتحكم فيها المؤسسة الملكية وتقودها جماعة العدل والإحسان وبعض أحزاب اليسار الراديكالي من قبيل حزب النهج الديمقراطي. 1 ـ المعارضة من داخل المؤسسات أو المشاركة المأزومة: لم تسلم أي تجربة انتخابية في المغرب من التشكيك في مسارها والطعن في مدلولها رغم حديث الملكية المتواصل عن ضمانات مركزية ، ما أدى إلى تحول الانتخابات إلى مجرد ” واجهة ” في رأي عدد من مكونات المعارضة التي اختلفت ردود أفعالها بين المشاركة مع التشكيك والتشكيك بالانسحاب . فقبل الدخول في ما وُصِف في تاريخ المغرب المعاصر ب” حكومة التناوب التوافقي ” سنة 1998 ظل المشهد السياسي المغربي موسوما بتركيبة حزبية ثلاثية : أحزاب معارضة مطلبية إصلاحية تتمثل في مكونات أساسية من الحركة الوطنية التي قبلت بالانخراط في المسار الانتخابي والمؤسسي الرسمي مع المطالبة المستمرة بإعادة النظر في توازناته، وأحزاب مطلبية جذرية معترف بها غير أنها ترفض التوازنات القائمة وقواعد الممارسة السياسية المعتمدة، ثم أحزاب داعمة ارتبطت هويتها الإيديولوجية والوظيفية بمساندة الاختيارات الإستراتيجية للنظام سواء كانت ممثلة في الجهاز التنفيذي أو بعيدة عنه. ففي محاولة للبحث عن إجابة لسؤال حول أسباب استمرار المعارضة في مسلسل انتخابي ” مأزوم” وبعيد عن ترجمة طموحاتها الذاتية ( التمثيلية السياسية) والموضوعية (النجاح في مسلسل الدمقرطة)، خاصة وأن المشاركة الانتخابية تعتبر قبولا ضمنيا للعمل السياسي داخل النظام وفق قواعده المضمرة وتوازناته السياسية على الأقل مرحليا. يرى الدكتور يونس برادة أن ” تفاعل أحزاب المعارضة مع المسلسل الانتخابي يجد ترجمته الموضوعية في طبيعة علاقتها بالمؤسسة الملكية تاريخيا وسياسيا وتصورها العام مرحليا واستراتيجيا للمسألة الديمقراطية، ومن ثمة تنتقل الأزمة الانتخابية من مستوى الخطاب الحزبي المطلبي الداعي إلى المراهنة استراتيجيا على الاقتراع كمحدد موضوعي للعمل السياسي إلى مستوى العلاقات بين الأحزاب حسب موقعها في النظام من جهة ودروها في المسلسل الانتخابي من جهة ثانية. في هذا المنحى نستشف أن أزمة المسار الانتخابي لم تنعكس فقط على خطاب المعارضة من خلال التنديد بأطوار العمليات الاقتراعية بل تترجم أيضا في نهج أسلوب ” المحاكمة السياسية ” إزاء ما يوصف بأحزاب ” الأغلبية المستمرة ” أي تلك التي بنت نسقها السياسي والوظيفي على أساس دعم اختيارات المؤسسة الملكية في كل مواقفها. فأحزاب المعارضة المشاركة في المسار الانتخابي وجدت نفسها في حالة تهميش فعلي ، إذ أن انخراطها في العمل المؤسساتي يوازيه ارتباط التوازنات السياسية للنظام بوجود أحزاب ” موالية ” للحكم، وهو ما يجعل المسلسل الانتخابي مرتهنا بضوابط تتجاوز النصوص والضمانات السياسية المعلنة لتجد دلالاتها العميقة في حقيقة السلطة. وفق هذا المنظور تلجأ المعارضة إلى سلوك ” تعويضي ” من خلال التشكيك في شرعية الأحزاب المرتبطة عضويا باختيارات النظام – على الأقل قبل الدخول في تجربة التناوب سنة 1998-، وهو ما يحيل إلى وضع حقيقة الخارطة السياسية الانتخابية أمام إشكالية غياب الحسم ومن ثمة الطرح المستمر لشرعية الممارسة الانتخابية ذاتها كإطار سليم في العمل السياسي بالمغرب ” . أما بعد اعتلاء محمد السادس لعرش المغرب سنة 1999 فقد نجح النظام إلى حد بعيد في احتواء جميع الأحزاب وجعلها تتنافس في تنفيذ الأجندة الملكية وتطبيق خياراتها الإستراتيجية، ولم يشكل الاستثناء إلا حزب النهج الديمقراطي المعترف به قانونيا وجماعة العدل والإحسان التي تشكل أكبر قوة معارضة . 2 ـ المعارضة الجذرية والدعوة إلى المقاطعة : شكلت نزاهة الانتخابات مكونا ثابتا في الخطاب السياسي لأحزاب المعارضة المطلبية الإصلاحية إلى درجة أن البناء الديمقراطي أصبح رهينا بحل معادلة ما يمكن تسميته بتأسيس الفعل الانتخابي في المغرب، ذلك أن المعارضة الإصلاحية راهنت طويلا في خطابها وفي تفاعلها مع تطور الممارسة السياسية على ضمان انتخابات نزيهة تكون تنافسية في أساسها وتعطي للتصويت مضمونه الكامل . لكنه في ظل أزمة المنافسة السياسية تصبح مساءلة جدوى المشاركة مطروحة بإلحاح خاصة وأن الخطاب الجذري بَنَا شرعيته على أساس نقد اختيار الانخراط في ” المسلسل الانتخابي” في ظل أزمته المستحكمة لارتباطه بتزكية الوضع القائم وتكريسه في النهاية للاختيارات الرسمية دون أن يكون لذلك أي مفعول على تغيير موازين القوى أو إعادة النظر في ترتيبات الحكم في اتجاه الانتقال نحو الديمقراطية . غير أن طرح عدم المشاركة في العملية الانتخابية سيتم مراجعته من قِبَلِ جميع الأحزاب التي تَبَنَّتْهُ من قبل، وسيتمسك به حزب النهج الديمقراطي الذي دعا في بيان له المغاربة بضرورة مقاطعة انتخابات 04 شتنبر 2015 لأنها ” تكرس لواقع الاستبداد وتطيل من عمر الفساد” وخرج أعضاءه إلى الأماكن العامة رافعين لافتات وشعارات تشكك في العملية الانتخابية برمتها وتدعو جميع المواطنين إلى مقاطعتها لأنها مجرد مسرحية تروم إبقاء الوضع على ما هو عليه . نفس الموقف عبرت عنه أكبر قوة معارضة بالمغرب، حيث أعلنت الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان مقاطعتها للانتخابات ودعت الشعب المغربي وكل القوى السياسية والمدنية الحية في بيان لها إلى مقاطعة انتخابات الجماعات الترابية المزمع تنظيمها يوم 04 شتنبر 2015 وذلك بسبب ” فساد أساسها الدستوري والسياسي وشكلية مؤسساتها المنتخبة واستبداد آلياتها القانونية والتنظيمية ” وأردف البيان ” … أما في السياق المغربي، وللأسف الشديد، فإن المخزن يصر مرة أخرى على محاولة إلهاء القوى السياسية واستغفال الشعب المغربي والالتفاف على مطالبه بانتخابات صورية تكرس النزعة التسلطية وتفتح الباب واسعا للسلب والنهب والتلاعب بمشاعر المغاربة وإرادتهم دون حسيب أو رقيب من خلال مؤسسات شكلية وبرامج تنموية وهمية وعقيمة، ليس لها من وظيفة إلا إخفاء الوجه البشع لنظام الفساد والاستبداد، وبناء على ذلك، وحتى يعلم الجميع طبيعة مقاطعتنا وأسسها الدستورية والسياسية والقانونية والتنظيمية، وأنها موقف سياسي واضح أملته علينا مسؤوليتنا أمام الله عز وجل وأمام مغربنا العزيز وأبناء شعبنا المقهور ” . واعتبر البيان ” أن دستور 2011 الذي طبل له الكثير واعتبروه ” ثورة ” في عالم الدساتير الحديثة، وراح البعض يقارنه بالدساتير الديمقراطية، في حين اعتبرناه حينها تكريسا للاستبداد، وهو ما ثبت بعد حين، حين ظهرت عوراته مباشرة بعد إعماله، … فإن ما يمكن التأكيد عليه في هذا السياق هو أن الدستور المغربي لا يزال يشرعن للحكم الفردي والإفلات من المحاسبة والعقاب ويعامل الشعب المغربي معاملة القاصر غير القادر على تحمل المسؤولية …” . وبعد سرد مجموعة من الأسباب المُبَرِّرَة لطرح مقاطعة الانتخابات تُأَكِّد الجماعة أنها عازفة عن المشاركة في الانتخابات والمؤسسات الرسمية، وترى في ذلك عبثا واستخفافا وإلهاءً، وعزوفها سياسي بالأساس وليس انتخابي، وسببه سياسات المخزن التي عملت منذ عقود على تجريف المشهد السياسي من كل جدوى ومصداقية … ” . على سبيل الختم : يبقى السؤال حول جدوى المقاطعة والمشاركة مطروحا، فدعاة المشاركة يؤكدون على ضرورة التصويت لاختيار الأصلح وعدم ترك الساحة للمفسدين وتجار الذمم وناهبي المال العام ليعيثوا فيها فسادا، ويُحَمِّلون المسؤولية كاملة للمقاطعين بمساهمتهم في تكريس الواقع وعدم السعي إلى محاولة تغيير الواقع عبر المشاركة في الانتخابات ورفع شعار الإصلاح من داخل المؤسسات . في حين يرى أنصار المقاطعة أن المشاركة الانتخابية هو قبول ضمني لهيمنة المؤسسة الملكية على المشهد السياسي المغربي واحتكارها لجميع السلطات، وأنهم يقاطعون مؤسسات سياسية ليس لذاتها وإنما لفسادها وافتقادها للسلطات والصلاحيات التي ينتخب الناخبون على أساسها، ونظرا أيضا لأن الإطار الدستوري والقانوني وواقع الممارسة السياسية طيلة ستة عقود لا يسمح للمؤسسات المنتخبة بممارسة الحكم وإنما يَحْصُرُ دورها في خدمة الجهات الحاكمة فعليا غير الخاضعة لا للانتخاب ولا للمحاسبة . فعلى هذا الأساس بنى المقاطعون قناعتهم واستطاعوا أن يُقنعوا بها شريحة واسعة من المواطنين إلى درجةٍ أصبح الكل يتحدث عن مهزلة الانتخابات الجماعية ( 04 شتنبر 2015 )، وعن عملية شراء الأصوات من لدن تجار المخدرات وعصابات العقار التي حولوها بحق إلى انتخابات الفساد والمفسدين . والحقيقة أن المشاركة في عملية انتخابية لا تؤدي إلى إصلاح جذري وحقيقي يُحِسُّ معه المواطن أن صوته يُقَرِّرُ في المنظومة التشريعية والتنفيذية، إنما هو تزكيةٌ للنظام الفاسد وتشجيعٌ على استغلال واستغفال المواطن المقهور والمحروم من كل ضروريات الحياة . وفي الأخير أختم كلامي بقولة للأمين العام لجماعة العدل والإحسان حيث يقول ” مقتنعون بأنه يستحيل إصلاح الفساد بأدوات فاسدة وفي ظل تحكم المفسدين، وهؤلاء في المغرب ليسوا دولة عميقة كما يقال، بل هم الظاهرون على السطح بوجوه مكشوفة والمتحكمون في كل شيء بما في ذلك الحكومة نفسها ”.