بوتريه: القاضي الحسين البونعماني التزنيتي الذي اعتبرت السلطات الفرنسية تعينه في مناصب عدة في القضاء فوق إرادتهم

آخر تحديث : السبت 25 يوليو 2015 - 12:16 مساءً
2015 07 25
2015 07 25

موسى محراز انه الحسين البونعماني التزنيتي احد أبناء قرية بونعمان المرموقين في العلم والأدب والسياسية سواء إبان فترة الاحتلال الفرنسي أو ما بعد الاستقلال، كما يعتبر من احد مريدي الطريقة الدرقاوية حيث يجد نفسه وينتعش بمتعة روحية، لقب طوال حياته بأحد أعلام الشعر العربي كما يحلو للبعض تسميته، والذين يعرفون العالم الحسين البونعماني يشيرون إليه إلى كونه ذو انطباع منفرد، ميالا إلى التصوف ظل فترة من حياته خفيف الظل لا يهوى التقاعس، ويحبذ العمل في أي شيء قد يساعده على الهروب من الملل خاصة إبان فترة تقاعده، كان عاشقا للسفر بين عدد من المدن السوسية وبعض القرى المحيطة بمدينة تزنيت، كان منطويا على نفسه، تقلد طيلة حياته عدة وظائف محترمة وكانت من بينها وظيفة التدريس التي رأى فيها الفقيد الحسين البونعماني أنها الوظيفة الوحيدة التي يتمتع فيها صاحبها بكل حريته، تقلبه في بعض المناصب لم يكن اعتباطيا، بل جاء بفضل نزاهته وتوفره على مؤهلات علمية وأدبية جعلت منه أن يكون ضمن لائحة الشخصيات التي لها وزنها وساهمت بكل غال ونفيس لبلورة الفكر المغربي إبان فترة الاحتلال ثم بعد الاستقلال. كان الفقيد قيد حياته ميالا إلى الولوج إلى ” دار المخزن “أي المجلس الأعلى للاستئناف الشرعي، وبالفعل ونظرا لما يمتاز به من نبوغ فكري، استطاع أن يحقق حلمه بالالتحاق بوظيفته ككتاب بالمجلس الأعلى للاستئناف بالرباط، وقد تأتى له ذلك سنة 1937 ميلادية، لكنه لظروف مجهولة لم يلتحق بالوظيفة إلا سنة 1941 تقريبا، وتشير بعض المصادر ان جريدة السعادة كانت أول جهة أوصلت له خبر تعيينه بالمنصب الجديد، شاع الخبر بين زملائه ورفقائه كان من بينهم العلامة المختار السوسي، وحسب بعض الروايات وقتها قام هذا الأخير أي الفقيد العالم المختار السوسي بمكاتبته عبر رسالة جاء فيها ” والله لا ادري هل أهنئك حين ارتقيت إلى هذه الوظيفة ـ أي كاتب بالمجلس الأعلى للاستئناف الشرعي بالرباط ـ والتي ستكون إن شاء الله بابا مفتوحا لعدد من المراكز العليا والمقامات المؤسسة على هامات المجد في أنظار دهماء الناس، أو على العكس من ذلك أعزيك لونك فقدت حريتك التي كنت تتمتع بها من قبل يوم التعيين بالمنصب الجديد، كنت قبلها تطير وتغرد كيفما تشاء، أما اليوم فقد تغير كل شيء، فهل تستحق التهنئة أم التعزية؟؟، وتضيف المصادر أن القاضي الحسين البونعماني قضى في منصبه ككاتب بالمجلس الأعلى للاستئناف الشرعي بالرباط مدة حددت في أربع سنوات، وبعدها انتقل إلى محكمة السداد بالمدينة الحمراء مراكش، كأول رئيس لهذه المحكمة تحت اسم ” الحاكم المفوض “، وذلك بعد إحداثها سنة 1945 م، والغريب في الأمر وهو يتنقل بين الوظيفة الأولى والثانية أن الفرنسيين آنذاك اعتبروا ولوجه الوظيفة وفوق إرادتهم، خاصة وانه تم تعيينه من طرف ملك المغرب آنذاك المغفور له محمد الخامس، ولهذا السبب لم تكون علاقته بالمستعمر في أحسن الأحوال، أضف إلى ذلك تعامله المميز مع رجالات المقاومة الوطنية، وكان له دور فعال بين الوطنيين في شمال المغرب بجنوبه إبان فترة مهمته كحاكم بمراكش، وهنا بدأت له الحياة مغايرة بعض الشيء مقارنة بالفترة التي قضى بالرباط، ولعل السبب في ذلك نتيجة وجود الباشا الكلاوي بالحمراء، وقتها كان الحاكم المفروض في شخص الحسين البونعماني يحس بخطورة هذا الباشا وجبروته، خاصة بعد أن علم الحاكم بأنه أي الباشا الكلاوي يبحث له عن مكيدة، وكان بين الفينة والأخرى يتربص بها بحثا عن هفوات، ولم يقف عند هذا الحد، بل زرع له في مجلسه من يراقبه ويتجسس عليه أثناء عمله، كان حينها الباشا الكلاوي يرفع التقارير يوميا إلى الجهات المعنية، بدأت خطورة الباشا تلوح في الأفق، وكان القاضي الحسين البونعماني يحس بخطورة الوضع، الشيء الذي دفع به إلى البحث عن وسيلة قد تنقذه من مخالب وأنياب الباشا، فاغتنم فرصة واحدة في حياته على إثرها طلب الانتقال من منصبه كحاكم مفوض بمحكمة السداد في اتجاه مدينة الرباط مرة أخرى، لكنه بوظيفة عضو بالمجلس الأعلى للاستئناف الشرعي، وهناك قضى خمس سنوات تيسر له فيها انه التقى مع بعدد من المفكرين والأدباء والشعراء، أمثال محمد المدني الحمراوي، عبد الله بن العباس الجراري ومحمد مهدي العلوي واللائحة طويلة، هكذا كان يقضي الحسين البونعماني معظم أوقاته بين عمله كعضو بالمجلس الأعلى، وجلساته الأدبية برفقائه، إلى أن أحيل على التقاعد، حيث استقر بمدينة أكادير ثم بين أكادير والدشيرة، وبقي على حاله إلى أن وافته المنية على اثر مرض لم يمهله طويلا، ونقل جثمانه من تيزنيت في اتجاه مسقط رأسه بقرية بونعمان حيث دفن.