بوتريه: مولاي سعيد بن السعيدي القاضي المخضرم بين الإحتلال والاستقلال

آخر تحديث : الأحد 19 يوليو 2015 - 12:28 مساءً
2015 07 19
2015 07 19

موسى محراز

الفقيه الإمام قدوة الأنام الشريف مولاي سعيد بن الحسن بن السعيدي الروداني دارا وإقبارا، ولد عام 1320هـ بقبيلة الرحالة ناحية أولوز شرق إقليم تارودانت، من أبيه مولاي الحسن بن محمد وأمه عائشة بنت الحاج محمد، وفي كنفهما نشا إلى جانب باقي إخوته نشأة دينية، عين قاضيا مع فجر الاستقلال حيث حظيت مدينة تارودانت بشرف إعلان مولاي سعيد بن السعيدي بهذا الشرف في عهد الجنرال عبد السلام الصفريوي عامل إقليم أكادير آنذاك، ونظر للمشاكل التي يتخبط فيها الإقليم في ذلك الوقت بالذات، انتماء مولاي سعيد بن السعيدي إلى أسرة عريقة جمعت بين شرف النسب والتفقه في الدين، ناهيك عن كونه من سلالة عائلة لها مصاهرة بالسلطان مولاي يوسف في شخص عمه القاضي مولاي احمد، تم اختياره لهذا المنصب حيث جمع بين القضاء وإدارة الشؤون الأهلية، فقام بهما على الوجه المطلوب كما يشهد له بذلك، كما كان مثالا للنزاهة والرصانة سواء لما كان قاضيا بالمحكمة الابتدائية بتارودانت أو في المدة التي قضاها في مجلس الاستئناف الجهوي بمراكش، وبقي في سلك القضاء حتى سنة 1969، بعد هذه الفترة الغنية من حياة القاضي نولاي سعيد بن السعيدي، وجد نفسه أمام مرحلة يمكن أن يطلق عليها المرء بمرحلة الفراغ، كره لهذه الكلمة وحبه لخدمة المصلحة العامة، دفعت به الدخول في غمار التعليم، وأول عمل قام به هو إعادة إحدى البنايات إلى نشأتها الأولى والتي من اجلها تم تشييدها في عهد محمد الشيخ السعدي، إنها مدرسة الجشتيمية نسبة إلى احد شيوخها وهو سيدي الحاج احمد بن عبد الرحمان الجشتيمي، وبهذا العمل الذي أقدم عليه القاضي المخضرم الفقيه العلامة مولاي سعيد بن السعيدي، فقد أحيى البناية وأعاد البسمة لها وفضل أن يجعل منها احد الروافد التي تهم بحفظ وحفظة حيث أحيل على التقاعد، كما عرف حياة مساره انتدابه لرئاسة المجلس العلمي بتارودانت، وكان حضوره المتواصل من أجل الدفاع عن المصلحة العامة للبلاد ومن بين هذه الأعمال حضوره في اجتماع جامعة القرويين المنعقد بمراكش سنة 1973م، حيث تقدم آنذاك بمقترح لتأسيس فرع لكلية الشريعة بأكادير قصد تقريب الدراسات الجامعية تخصص الشريعة من أبناء الجنوب بدل التنقل حتى مدينة فاس كما جرت العادة مند تأسيس الجامع العامر القرويين. كثف اتصالاته بأعضاء جمعية علماء سوس بحثا عن الوعاء العقاري الذي تيسر بمنطقة المزار بأيت ملول، نال وسام العرش من درجة ضابط تسلمه من المغفور له الحسن الثاني بقصر بلدية أكادير إثر زيارته التفقدية لناحية سوس سنة 1972م، سلمه المغفور له محمد الخامس ظهير نقيب الشرفاء السعديين، وتشير بعض المصادر انه في الوقت الذي تسلم فيه القاضي مولاي سعيد الظهير الشريف، خاطبه المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه قائلا ” إن هذا الظهير لا يسمن ولا يغني من جوع بل فقط تميزا لكم عن غيركم “، كانت حياة الفقيد مليئة بالأعمال الجليلة التي سجل لها التاريخ باسمه بماء من ذهب، حيث شهد له كونه أبدى كل ما في وسعيه وجهد جاهدا في عملية تأسيس جمعية علماء سوس، وكان من بين من جمع شمل العائلة العلمية ووحد كلمتهم، الدمعية التي كان لها الفضل الكبير في بناء معلمة علمية وسط مدينة تارودانت وضع حجرها الأساسي محمد الخامس لازالت شامخة إلى يومنا هذا، أطلق عليها اسم ” معهد محمد الخامس للتعليم الأصيل “، أعماله ومنجزاته كثيرة، فقد كان رحمه الله مناهضا للاحتلال مما أدى إلى اعتقاله وسجنه وتعذيبه بشتى الطرق، كما تم اجبر عدة مرات على الإقامة الإجبارية في العديد من النقط، رغم لم تكن جدران تلك الإقامات الجبرية الظالمة تشفع له، بحيث كانت المآكد ترافقه حتى ووهو في زنازنه تلك طبقا لقررات ظالمة كما هو الحال في معتقله بداره بأولوز، قام على إثرها عدد ممن وصفوا بالخونة، حيث عسكر العديد منهم أمام مسكنه مطالبين بنفيه، لا لشيء إلا لأنهم ضالون وغر راضين عما يقول به تجاه بلده ووطنه، لكنه كيدهم ظل في نحورهم، أما الفقيه فالأقدار الإلهية كانت تقف دائما إلى جانبه، إحساسه بالغدر والمكر، جعله يغادر بيته في اتجاه دار جاره دون علم أي احد، ولما اشد الحال بالخونة، فكروا في مهاجمته في منزله، لكنهم تراجعوا عن فعلتهم الدنيئة بعد أن تأكدوا انه غير موجود، أما الفقيه العلامة مولاي سعيد بن السعيدي العلوي لما أحس بالخطر المحدق به من طرفهم الزمرة من الخونة، قرر مغادرة أولوز مرة أخرى في اتجاه مراكش، ظل العلامة وفيا لروح الوطن، ظل الفقيد متشبثا بمبادئه وحبه للخير وخدمة للمصلحة العامة، ظل القاضي طوال حياته رجلا محنكا ومتحليا بالأخلاق النبيلة، هكذا كانت حياته الفقيد كما شهد ويشهد له بها من طرف ممن عاصروه منذ نعومة أظافره إلى وفاته. توفي الشريف مولاي سعيد بن السعيدي العلوي عام 1394هـ الموافق 12 شتنبر 1974 م يوم الجمعة، وبعد أن صلي عليه بالمسجد الأعظم بتارودانت دفن بمقبرة باب الخميس بجانب قبر سلفه القاضي سيدي موسى بن العربي الرسوكي، واعترافا له بمجهوداته التربوية والوطنية ونزاهته القضائية، أطلق اسمه على مؤسسة تربوية للتعليم الابتدائي العمومي بتارودانت.