بورتريه: القاضي الوطني رشيد المصلوت

آخر تحديث : السبت 11 يوليو 2015 - 12:03 مساءً
2015 07 11
2015 07 11

موسى محراز يعتبر الفقيد رشيد المصلوت، من أشهر وألمع قضاة سوس والمغرب بضفة عامة حسب الذي عاشروه خلال القرن العشرينـ وذلك لما تميز به مساره المهني من جهاد وكفاح على عدة مستويات ولما عرفه من هزات عنيفة لم بسعفه فيها سوى صدقه وإخلاصه ووطنيته الصادقة، ثم علمه المتين وتشبثه بالحق مهما كانت التحديات ومهما كانت سطوة الخصوم. بدأت متاعب رشيد المصلوت المهنية في سلك القضاء عندما كان نائبا لقاضي تارودانت موسى الرسموكي، حيث ظل الحسد يحوم حوله على بعض العدول، من خلاله دبروا له مكيدة عداوة فرنسا وجعلوه محل مراقبة في كل مكان يحل به، لم يستثن منها حتى محل تدريسه بالجامع الكبير والذي كان محاطا بالجواسيس والعيون المرصودة، شرهم ومكائدهم دفعت به إلى اقتحام بيته وقاموا بتفتيشه دون العثور على أي شيء، حقدهم الدفين انتهى به الأمر إلى الزج بالفقيد قيد حياته في السجن، وذلك بعد زعموا أنهم ضبطوا عنده بعض البنادق، ولم تكن في الحقيقة إلا بنادق قديمة جدا وغير مستعملة، عثر عليها في بيت أخيه وليس في بيته، كل ذلك تم بمؤامرة قادها آنذاك باشا المدينة وأعوانه. بعد خروجه من السجن، اشتغل رشيد المصلوت بالتجارة وإدارة أملاك أسرته، ثم عمل أستاذا بالمدرسة الصناعية بتارودانت ـ ثانوية ابن سليمان الروداني ـ، فاستغل هذه الوظيفة من اجل نشر الوعي الوطني بين صفوف تلامذته، وأثناء زيارة المغفور له الملك الراحل محمد الخامس لتارودانت، اغتاظ أعوان الاستعمار عندما علت أصوات التلاميذ بالأناشيد الوطنية التي لقنهم إياها رشيد المصلوت، اشتد حقدهم عليه، ورغبة من الباشا في التخلص منه، شجعه على اجتياز مباراة الدخول إلى سلك القضاء قائلا له بان تارودانت لا تسعهما معا، فإما أن تبقى فيها واخرج أنا منها، أو العكس، فلم يكن حينها رشيد المصلوت على أهبة للدخول مع المعني بالأمر في صراع أو غير لا يعرف احد عواقبه، خاصة وان الجهة المصرح لها نفوذها، وعليه اجتاز رشيد المصلوت تلك المباراة بمدينة الرباط، فكان على رأس الناجحين فيها، غير أن الإدارة حرمته من الشهادة لا لشيء إلا لكونه من الوطنيين الكبار كما يشهد له، ولم يتسلمها إلا بتدخل الملك محمد الخامس شخصيا. كان تعيينه الأول في إيكودار ـ جماعة قروية بدائرة أولاد برحيل بإقليم تارودانت ـ، اختار منذ البداية أن يعمل بطريقة مخالفة لما سار عليه سابقوه، خاصة وهو من كبار العلماء من خريجي جامع القرويين ومن كبار الوطنيين الداعين إلى تحرير المغرب، ليس من الاستعمار فقط، بل من الجهل والاستعباد والأعراف البالية. أول من واجه رشيد المصلوت في مهمته، هو الحاكم المحلي لناحية تارودانت الكولونيل ” فيرو ” الذي رفض هذا التعيين لما يتوجسه من عمل القاضي رشيد، الذي يعرفه حق المعرفة، وقد زعم أن هذه المناطق هي مناطق العرف وليست مناطق الشرع، وبلغ الأمر السلطان الذي أرسل إليه بعض مبعوثيه الذي شدوا من آزره قائلين له بان يتنازل ولو تحت الضغط وان الجناب الشريف مهتم بقضيتك. بعد تصلبه وعدم رضوخه لما يريدون خصومه، سلطوا عليه الحاكم المحليين الذي كانوا منتشرين من حوله، وكانوا يشوشون عليه بالشكايات التي كانوا يرفعونها به، والتي يدعون فيها بان القاضي رشيد المصلوت غير العادات المعروفة عند القضاء من الركوب في السيارات عوض المشي على الأرجل ثم سكن القصور والرياضات وامتلاك الخدم وتأثيل العقارات، وربما أغروا به من وصفوا بسفهاء القوم ليبحثوا عن بعض القضايا والذرائع والأدلة التي يحتجون بها على انه ليس على أقوم سنن، غير أنهم كانوا يفحمون بنزاهته وعلمه الرصين وتصاعد أحكامه ومحبة الناس له. زممن واجههم كذلك ودخل معهم في حرب كبيرة، هو الموثقون والعدول الذين كانوا يعملون خارج أية ضوابط قانونية أو شرعية، ويتسببون في مشاكل لا حصر لها للمتقاضين، فوقف أمامهم بجد وحزم، إلى أن نظم هذا المجال تنظيما جيدا. وعندما انتقل إلى مراكش غداة الاستقلال، حاول أن يتصدى للعدول مرة أخرى بالترغيب أحيانا وبالترهيب في حالات أخرى، غير أنهم رفعوا به شكوى إلى الدوائر العليا وشكلوا وفدا ثم انتقلوا إلى مدينة الرباط في شكل مظاهرة، وهناك استقبلهم وزير العدل آنذاك عبد اللطيف بن جلون، ولم يسعفهم إلى مرغوبهم، بل أثنى أمامهم على نزاهة القاضي رشيد المصلوت وعلى علمه ونحى عليهم باللائمة، بعد شهرين من الحادث، وجهت الوزارة لجنة إلى محكمة ابن يوسف في مراكش أنهت عملها الذي من اجله حلت هناك بعزل ستين من العدول ونقل البعض وتوبيخ الباقين. أشاد كثيرون من عاصروه بالتجربة القضائية للقاضي رشيد المصلوت رحمه الله، كان من بينهم الكولونيل ” فيرو ” رئيس دائرة تارودانت الذي استدعاه بعد أن تحقق الاستقلال وقال له بأنه كان حاكما بالعديد من النواحي، وما رأى من يحسن تطبيق المسطرة القضائية مثله في الحزم والنزاهة، كما اخبر بان رؤساء أمروه أن يلقي القبض عليه ونفيه إلى صحراء ” بوذنيب “، لكن لم يثبت عنده ما يؤاخذه به من الناحية القضائية والسياسية. عين القاضي رشيد المصلوت في المجلس الأعلى للقضاء حيث أمضى قرابة عشرين سنة أخرى، كان فيها مثالا للجد والحزم، كان مشهورا عنه انه كان يحمل كتبه تحت سلهامه ويمشي على رجليه قاطعا مسافة ما بين مستشفى ابن سيناء والمشور ذهابا وإيابا كل، حتى أن الرباطيين كانوا يحققون ساعاتهم اليدوية على رقت مروره لشدة ضبطه في الأمور كلها، يقول رحمه عن تجربته في القضاء ” لم يكن كفاحي في هذا الميدان بأهون ولا اقل من السابق، وما كان لي أن اقطع مراحله مصون العرض والدين، عالي الرأس مرتاح الضمير لولا عناية الله عز وجل وحفظه، وقد لقنني هذه التجربة الطويلة دروس العز والاناء والصمود وعلمتني اخذ الأمور بمآخذ الجد والحزم والمسؤولية، كما أفادتني أن الإخلاص والعمل مع التقوى هما السر العظيم في التغلب على الصعاب وتذليل العقبات.