بورتريه: المرحوم إسماعيل بن محمد هرماس الروداني أول قضاة فجر الإستقلال بتارودانت

آخر تحديث : الأربعاء 15 يوليو 2015 - 11:30 مساءً
2015 07 15
2015 07 15

استقلالي حتى النخاع، وأحد مؤسسي فرع الحزب بالقطر السوسي بعد انخراطه في صفوفه والتزامه مبادئه سنة1944، تشبع بأفكار المقاومة إبان تواجده الدراسي بمراكش وأصبح أحد أعضائها البارزين محليا، ترفع تعففا عن الامتيازات المادية والمعنوية التي حصل عليها الكثير من المقاومين والمنتسبين للمقاومة على السواء بعد الإستقلال، وأدناها بطاقة المقاوم رغم كونه ذاق مرارة السجن بدون موجب إدانة فعلي والاعتقال مرارا بدون وجه حق بسبب تبنيه أفكار وطنية لا تتماشى و سياسة سلطات الحماية الفرنسية بالمغرب. ولد المرحوم القاضي إسماعيل هرماس سنة 1928 بحومة درب الأندلس بتارودانت حاضرة سوس العالمة، بدأ مساره الدراسي المتيسر وقتئذ بالتعليم العتيق الذي يطبع مضمونه التوجه الأصيل والذي لم يكن يلبي طموحه وتطلعه، الشيء الذي دفع به لشد الرحال في سن مبكرة حيث التحق بكلية ابن يوسف بمراكش ثاني العدوتين العلميتين وقتها بالمغرب بعد الجامع العامر القرويين بفاس، هناك عمق تكوينه السابق ووسع مداركه النظرية في القانون، كما مكنه تواجده بمراكش من نسج علاقات التزاور وأخوة الجوار الدراسي بكلية ابن يوسف ، شكلت فسيفساء شخصيته الحازمة، مع رفقاء من العيار الثقيل في النضال والوطنية، منهم المصطفون في خندق المقاومة الشرسة، نذكر منهم محمد الفقيه البصري ومولاي عبد السلام الجبلي و السوسي محمد بن سعيد أيت إيدر والروداني البروفسور عبد القادر التونسي عميد أطباء مستشفى ابن سيناء وغيرهم ممن انتدبوا ضمائرهم ووهبوا حياتهم خدمة لله، وفداء للوطن والعرش بصدق وأمانة. عين المرحوم قاضيا متدربا بمحكمة الحاكم المفوض بتارودانت في 3 نونبر 1956، أي ثمانية أشهر بالضبط بعد الإعلان المشترك بين الحكومة الفرنسية وجلالة المغفور له محمد الخامس عن نهاية عهد الحجر واستقلال المغرب. لم يكن التعاطف الحزبي ولا ماضيه السياسي ونضاله في صفوف المقاومة ليؤثرا على استقلاليته وتجرده ونزاهته في اتخاذ التدابير الوقائية أو القرارت الإجرائية وانتهاء بتطبيق المساطر القانونية وإصدار الأحكام القضائية، في فترة حرجة جدا صادف تعيينه خروج المغرب المستقل من مخاض عسير وبداية تجربة مريرة، لأن مؤسسات الدولة الحديثة العهد بالاستقلال التي شكلت قطار المغرب، قاطرته حزب الإستقلال صاحب النفوذ والمنتسبون له أصحاب كلمة وحصانة حزبية. هذه المرحلة تعتبر نقطة تحول ومحطة وقوف ومفترق طرق، حتمت على المرحوم إسماعيل هرماس سنوات معدودة بعد تعيينه، التوقف الاضطراري لمراجعة تطلعاته التي آمن بها وندر حياته من أجلها وناضل على قبلها في صفوف الحزب، منها استقلالية القضاء باعتبارها أحد المبادئ الأساسية التي تشبع بها في أحضان المقاومة وحزب الإستقلال إبان فترة الحماية. بعد سبع سنوات من الحياة المهنية في سلك الوظيفة العمومية كقاض كفؤ ونزيه بشهادة رؤسائه المباشرين السابقين، واعتراف المفتشين الجهويين لحزب الإستقلال لنفس الفترة بأكادير وناحيته، كونه وطني مخلص ونزيه، نتنقل المرحوم القاضي للعمل بعد تارودانت في محاكم القطر السوسي بكل من مدن تزنيت وبيزكارن وإنزكان وأكادير ( المحكمة الإقليمية) التي حولت مقر عملها إلى تارودانت إثر فاجعة زلزال مدينة أكادير في 29 فبراير 1960، بعدما استفاد المعني من الترقية المهنية قبل كل انتقال. أمام استماتته القوية وتعصبه للمبادئ الوطنية الحقة وقناعاته الشخصية والحزبية،عبثا حاول إفهام بعض مناوئيه، السياسيين على الخصوص، الذين يعتبرون سلطة الحزب أقوى من سلطة القضاء، فيما المرحوم المقاوم القاضي يرى عكس ذلك، كون مبدأ استقلالية القضاء يحتم عليه التجرد وعدم التدثر لا بمظلة الحزب ولا بعباءة المقاومة، توخيا لإحقاق الحق في القضاء وتكريس العدالة الاجتماعية كتشريع إلهي قبل أن تكون مطلبا وطنيا أجمعت عليه كل القوى الحزبية والسياسية إبان فترة الحماية الفرنسية بالمغرب وبعد انجلاء عهد الحجر وبزوغ فجر الحرية. في شهر يوليوز 1961 بدأ يتداخل الشأن الحزبي بالقضائي، لتختلط الألوان وتتشابك الخطوط وتتعقد الخيوط،بدأت عملية شد الحبل والتدخل في استقلالية القضاء وجعل سلطة الحزب أقوى من سلطة القضاء عن طريق إملاءات مفتش الحزب بالناحية للتأثير على سير العدالة، هذا إضافة إلى ظروف عمل مشحونة مع الرؤساء المباشرون خلاف نظرائهم الستة السابقون والذين عملوا على تزكية عمل المرحوم إسماعيل كقاض كفأ ونزيه استفاد إثر ذلك ثلاث مرات من الترقية . وغريب أن تجتمع الصدف السيئة دفعة واحدة سالكة غاية بعينها لتتفق على نفس الهدف، والأغرب من ذلك أن جملة مآخذ واتهامات بخصوص مساطر سير العدالة وجهها مفتش الحزب وقتئذ للقاضي المقاوم في كتاب، كان الأولى أن تصدر عن الرؤساء المباشرين باعتبار ذلك أولا شأن داخلي للمحاكم ثانيا كون مهمة الرؤساء الأولى هي مراقبة مدى تطابق الأحكام التي يقضي بها القضاة مع التشريعات المعمول بها عموما، مما يبين بالواضح الملموس قوة حزب الاستقلال ونفوذه إزاء السلطة القضائية ومدى استقلاليتها. بدأ دق الطبول بمراسلة من صفحة واحدة صادرة عن مفتش حزب الإستقلال بأكادير تحمل رقم 34 بتاريخ 14 يوليوز 1961، هي جملة اتهامات ومؤاخذات بخصوص مساطر قضائية على سبيل المثال ـ كما ورد بالمراسلة ـ واختتمت بتشبيه المرحوم القاضي ” بأحد قواد العهد البائد”. أرسلها المعني بها القاضي إلى أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب بالرباط تحت إشراف مكتب الحزب بتارودانت، بعدما رد على مضمونها في جواب من أربع صفحات باسطا كل الحيثيات وما وراء الكلمات وما بين السطور، حسب مقتضيات التشريع القضائي المغربي لربما تتدخل اللجنة التنفيذية للحزب لترد مفتش الحزب بالناحية إلى رشده. ما يزال المشكل قائما في انتظار الحل، حتى أرسل كتاب ثان إلى وزارة العدلية الشريفة يتهم القاضي المقاوم بتعاطي الرشوة لكن هذه المرة من دوي القربى الرؤساء المباشرون ( وظلم دوي القربى أشد مضاضة من السيف المهند ) دون أن يعلم بما يحاك له ويدبر في صمت. فورد إليهم من الوزارة جواب بضرورة إقامة الدليل، وعبثا حاولوا عن طريق مسرحيات هزيلة السيناريو رديئة الإخراج، آخرها إعطاء الأمر إلى الشاوش للذهاب لدى مركز الشرطة والتصريح باطلا بذلك، فرفض رغم تهديده بتسريحه، وعوضا عن دلك صرح بالمكيدة التي تحاك لصاحبها في الخفاء لما يعلم عنه من النزاهة… ثم كتبوا ثالثة إلى الوزارة أن القاضي اشترى أملاكا عديدة مند توليه القضاء، ولما علم أن المكائد تولاها الرؤساء نيابة عن مفتش الحزب، رفض الإدلاء هذه المرة بأية إجابة ، وكاتب الوزارة مطالبا إيفاد لجنة محايدة للتحقيق معه، فصدر الأمر إلى المدعي العام بمحكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 19غشت 1961 للقيام بذلك، فأدلى القاضي المقاوم بمجموعة رسوم لأملاك منها ما يعود لمائتي سنة خلت ورثها عن والده باع بعضا منها سنة 1949 و 1960 واشترى عوضا عنها أملاك أخرى … وكان آخر مسمار يدق له أسفل النعل (الصورة وهو بمكتبه في المحكمة) اتهامه بعدم الكفاءة وسوء السلوك، دفعته هذه المعاناة للمثول تلقائيا أمام اللجنة التنفيذية لحزب الإستقلال للدفاع عن نفسه ودحض التهم الملصقة بتلابيبه، وقيام الحزب بدور الوساطة لدى مسؤولي وزارة العدلية الشريفة ليكونوا على بينة من نزاهته ووطنيته وصدق طويته ونقاء أساريره. لكن جميع الحجج الواقعية والقرائن المادية لم تكن كافية ـربماـ لتمنع صدور رسالة وزير العدل تحمل رقم 622 G.S.M بتاريخ 26 /04/1962 سجلت في 8 ماي الموالي بالمحكمة الإقليمية بتارودانت تخبر المعني باتخاذ قرار لوضع حد لفترة تدريبه والتشطيب عليه من مجلس القضاء. تكالبت الأقدار المفتعلة في المسار الإداري للقاضي إسماعيل، فاضطر أواخر ربيع نفس السنة 1962، تجشم عناء السفر إلى الرباط كمسلك ادري وسياسي وطرق جميع الأبواب ذات الصلة بالموضوع بحثا عن الحل ـ أو بالأحرى الحق ـ فاتضح له مند البداية أن المسؤولين المركزيين إنما يماطلونه إلى حين صدور ظهير الإعفاء، فلم يجد بدا لربح الوقت الميت سوى طرق آخر الأبواب، باب مكتب يحمل رقم 3 بشارع علال بن عبد الله بالرباط حيث يعمل محام ومناضل من العيار الثقيل هو الآخر، اسمه عبد الرحيم بوعبيد (وعبد العلي بالحاج) الذي تقدم نيابة عن موكله القاضي إسماعيل هرماس، بمقال أمام الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى للقضاء بالرباط يطعن في قرار وزير العدل و يعيب عليه الشطط في استعمال السلطة ، القاضي بتوقيف المعني والتشطيب عليه. خريف نفس السنة 1962، على المستوى السياسي هذه المرة، التأم أعضاء المجلس الوطني لحزب الإستقلال بسوس، في اجتماع بضغط من أعضاء الحزب الملتزمين والمتعاطفين بالناحية لمناقشة وتقييم ما آلت إليه وضعية أفراده، خصوصا بعض أطره المعدودين الذين يعتبرون أطرا حزبية مثقفة (جل المنخرطين أصحاب حرف) بعد الصدمات واللطمات الواحدة تلو الأخرى لربما تكون الأخيرة التي يتلقونها من أعضاء الحزب بالرباط بين الفينة والأخرى، وخرجوا بتقرير مفصل في ثلاث نسخ رفع إلى كل من رئيس الحزب بالرباط واللجنة التنفيذية به ومفتشية الحزب لأكاد ير و طرفاية. بقي التقرير بدون جواب ؛ فكان الحل هذه المرة ليس طرق الأبواب، بل دق آخر مسمار في النعش لتبرئة الذمة و إراحة الضمير، فكان قرار تقديم استقالة جماعية لأعضاء مكتب حزب الإستقلال بتارودانت مؤرخة في 2 نونبر 1962، ومما جاء في مضمونها ” …وإنه لمن المؤسف أن نرغم أخيرا على اتخاذ موقف عجزت السلطات الفرنسية وهي في أوج عزتها فرضه علينا، فانقدنا إليه آخر الأمر طوعا واختيارا … بعد عشرين سنة قضيناها جميعا داخل صفوف حزب الإستقلال تحدونا الرغبة الصادقة في الإصلاح…” للتذكير والأمانة التاريخية، كان القاضي المرحوم إسماعيل هرماس يحضر خارج أوقات العمل الرسمية إلى مقر المحكمة وهي بناية يعود تاريخها إلى فترة الحماية الفرنسية توجد بحومة القصبة، ليس للاشتغال على الملفات، بل للقيام بأشغال البستنة بيديه النظيفتين، وكان بإمكانه إعطاء الأوامر لمن يقوم بذلك وهم كثر، أسهلهم تنفيذا المعتقلين أو المساجين المتواجدين بالسجن أمتار معدودة عن مقر المحكمة، لكن عزته أبت عليه إلا أن يقوم هو شخصيا بغرس شتائل الورد وأشجار الليمون التي بقيت شاهدة بمدخل المحكمة إلى حدود السنة الماضية وثم اجتثاثها، حيث عرف مقر المحكمة المذكورة إصلاحات هيكلية لتخصص لقضاء الأسرة.