تارودانت: نائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية يستعرض مظاهر حماية الاطفال القاصرين في ضوء التشريع الجنائي المغربي

آخر تحديث : الجمعة 22 أبريل 2016 - 2:24 صباحًا
2016 04 22
2016 04 22

في لقاء علمي شهدته، اخير مدينة تارودانت، تطارح المشاركون العديد من الاراء القانونية والعلمية المتعلقة بحماية الاطفال القاصرين، على هامش الندوة القانونية المنظمة من طرف ” جمعية اهلي لحماية ومساعدة الاطفال في وضعية صعبة بتارودانت”، التي اتخذت من ” السياسة الجنائية ودورها في حماية الحدث “. وقد نظمت الندوة بشراكة مع خلية العنف ضد النساء. ومن ضمن المتدخلين في هذا اللقاء كان الاستاذ ” خالد مقصودي ” نائب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بتارودانت الذي استعرض ” مظاهر حماية الاطفال القاصرين في ضوء التشريع الجنائي المغربي”. نائب وكيل الملك وقبل الدخول في صلب الموضوع أود أن أوضح في البداية أن الشريعة الإسلامية أوصت بضرورة الاهتمام بفئة الأطفال، قال تعالى “المال والبنون زينة الحياة الدنيا” وجاء في الحديث الشريف “تزوجو الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة”، حيث قال ان “السبب في اهتمام الشريعة الإسلامية بالطفل، يرجع إلى دوره المستقبلي في إعمار الأرض وبناء مجتمع قادر على الدود عن الدولة الإسلامية “. كما ان القانون بدوره أولى اهتماما خاصا بهذه الفئة العريضة من المجتمع، فقد تم إصدار عدة عهود ومواثيق دولية هدفها الأساسي حماية الطفل باعتباره من ضمن الفئات الضعيفة في المجتمع. ولعل من أهم هذه الاتفاقيات “اتفاقية حقوق الطفل” الصادرة بتاريخ 20 نونبر 1989، التي نصت في مادتها 19 على أنه يجب على الدول أن تتخذ جميع التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية الملائمة لحماية الطفل من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية أو الإهمال أو المعاملة المنطوية على إهمال وإساءة المعاملة بما في ذلك الإساءة الجنسية…” ليخلص الى ان ” المغرب باعتباره عضوا نشيطا في المنتظم الدولي لم يصادق على هذه الاتفاقية فحسب، بل ضمنتها في تشريعاتها الداخلية ومنها القانون الجنائي “. من تساؤل مفاده الى اي حد استطاع المشرع بلورة نصوص زجرية كافية لحماية الطفل في القانون الجنائي..؟ انطلق نائب ليعرض مداخلته، مضيفا انه ” اذا كان الجواب بالإيجاب، فهل استطاع القضاء المغربي تكريس هذه النصوص الجنائية ووضعها في الاتجاه الذي أراده المشرع… ؟” وقد اكد الاستاذ مقصودي ان هناك ” مبدأ قانونيا عالميا ينص على أن القاعدة القانونية كيفما كانت طبيعتها تجارية، مدنية أو جنائية فهي دائما قاعدة عامة ومجردة، بحيث لا تقيم أي تمييز بين الأشخاص المراد تطبيقها عليهم بناء على أساس معين كالجنس أو السن أو غير ذلك، إلا أن القانون الجنائي المغربي شد عن هذا المبدأ، بحيث وضع نصوصا زجرية خاصة هدفها حماية الأطفال القاصرين من كافة أشكال الاعتداء سواء كان جسديا أم جنسيا “. ولتحديد هذا التمييز الذي متع به القانون الجنائي فئة الاطفال حدد نائب وكيل الملك محورين: المحور الأول : تحدث فيه عن مظاهر حماية الأطفال من العنف الجسدي. والثاني خصصه للحديث عن مظاهر الحماية من الاعتداء الجنسي. وبعد التمييزبين مصطلحي الحدث والطفل، الذي قال انه كل شخص، سواء كان ذكرا او اننثى، لم يصل بعد الى الثامنة عشرة من عمره، والحدث فهو الطفل الجانح اي الذي ارتكب جريمة من الجرائم، مشيرا الى انه فيما “يتعلق بالعنف الجسدي المادي، المقصود به كل اشكال العنف التي يكون محلها جسم الطفل، كالضرب بمختلف اشكاله، الايذاء، إحداث عاهة مستديمة، الكي بواسطة النار، القتل “… واذا كان المشرع قد عاقب على هذه الافعال عندما ترتكب تجاه شخص بالغ، فانه ” شدد العقوبة عندما تكون موجهة ضد الطفل “. على سبيل المثال، فعقوبة الضرب والجرح هي الحبس من شهر الى سنة وقد تصل الى 3 سنوات متى تجاوت مدة العجز 21 يوما عندما يقع الاعتداء على شخص بالغ، اما اذا انصب العنف على طفل يقل عمره عن 15 سنة، فان العقوبة قد تصل الى 5 سنوات، من هنا قال المتدخل إن ” المشرع المغربي ضاعف العقوبة عندما يكون الاعتداء موجها لقاصر يقل عمره عن 15 سنة”. كما اضاف انه اذا ” كان الشرع متشددا في العقوبة عندما يقع الاعتداء على طفل قاصر، فانه كان اكثر تشددا عندما يصدر هذا الاعتداء من جهات معينة، حصرها المشرع في الابوين وان علو، المعلمين، المستخدمين وبصفة عامة دميع الاشخاص المكلفين برعاية الطفل او لهم سلطة عليه “. و” العلة من هذا التشدد الاضافي هو ان هؤلاء الاشخاص مفروض فيهم رعاية الطفل والاهتمام به والدفاع عنه عندما يتعرض للاعتداء من الغير، لا الا عتداء عليه من طرفهم “. وقال مقصودي إن ” المشرع راعى الاعراف والتقاليد المغربية “، حيث انه اذا كان قد شدد العقوبة على الابوين ومن في حكمهم، فانه بالمقابل لم يعاقبهم على الايداء الخفيف الذي تكون الغاية منه تهذيب الطفل وتربيته “، وهناك عدة معطيات يمكن يمكن من خلالها تحديد كا اذا كان العنف خفيفا ام لا: منها ” مدة العجز البدني المثبت بالشهادة الطبية، ثم المعاينة التي يجريها القاضي على جسم الضحية الماثل امامه، كذلك الغاية التي كانت وارء هذا الاعتداء “. اما فيما يتعلق بالعنف الجسدي المعنوي فالمقصود به ذلك الاعتداء الذي لا ينصب على جسم الضحية مباشرة، ولكن يؤدي الى الاضرار به بطريقة غير مباشرة، ومن الامثلة على ذلك: حرمان الطفل الذي يقل عمره عن 15 سنة من التغذية او الغاية مم يؤدي الى الاضرار بصحته. كذلك تركه في مكان خال من الناس، ومن الامثلة ايضا: الشخص المعهود له برعاية الطفل والذي ياخذه الى مؤسسة خيرية، كذلك تخلي احد الابوين او كليهما عن طفلهما الوليد او بيعه، ايضا اسغلال طفل دون 15 من عمره لممارسة عمل قسري او جبري والذي يقصد به كل عمل مضر بصحة الطفل او سلامة او اخلاقه او تكوينه “. وخلاصة القول إن ” المشرع المغربي وضع فعلا اليات حمائية في القانون الجنائي خاصة بالاطفال، تحمي هذه الفئة من مختلف اشكال العنف الجسدي، وللتدليل على هذه المعطيات اورد نائب وكيل الملك لدى ابتدائية تارودانت بعض القضايا من قبيل ” قضية سبق وان عرضت امام ابتدائية تارودانت تتلخص وقائعها في ان احد المدرسين قام بالاعتداء على احد تلميذاته، بحيث امسكها من شعرها وضرب وجهها على الطاولة مما ادى الى اسقاط سنيها العلويتين، وعندما عرضت القضية امام المحكمة، انكر المعني بالامر المنسوب اليه، واكد ان الضحية ضربت وجهها تلقائيا مع الطاولة جراء الخوف الذي انتابها بعد ان اقترب منها من اجل توبيخها لى عدم انتباهها، ا ان المحكمة لم تقتنع بادعاته، وادانته بعقوبة مشددة نسبيا “. ثم أورد واقعة اخرى عرضت امام نفس المحكمة تتعلق بقيام احد الاباء بكي ابنه الذي لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره في مختلف انحاء جسمه بواسطة اداة تستعمل في المطبخ، مما تسبب له عدة جروح خطيرة على مستوى جلده، ولما عرضت القضية امام المحكمة اعترف الاب بالمنسوب اليه مؤكدا ان السبب في قيامه بهذا الفعل هو كثرة الشغب الذي يصدره من الطفل، بحيث ان هناك عدة شكاوي تقاطرت عليه من الجيران الذين سبب لهم خسائر مادية بممتلكاتهم، وقد عبر عن ندمه، كما ان والدة الطفل اكدت انها تتنازل لفائدة زوجها باعتباره المعيل الوحيد للاسرة، الا ان المحكمة لم تلتفت لهذه الاعذار وادانته بعقوبة نافذة مشدد ايضا. وكمثال اخير، عرض امام انظار المحكمة الزجرية بالدار البيضاء سنة 2009 ملف يخص احدى السيدات اللواتي تقوم بالوساطة في بيع الاطفال، بحيث انها تستقبل في منزلها الفتيات العازبات الحوامل، وتعتني بهن، وبمجرد وضعهن للطفل تسلمهن مبلغا ماليا وينصرفن الى حال سبيلهن، اما الطفل الوليد، فتقوم ببيعه لاحد الاسر الراغبة في ذلك، بمساعدة احد اعوان السلطة وموظف بمكتب الحالة المدنية، وقد ضبطت في حالة تلبس بحيث تقمصت احدى ضابطات الشرطة القضائية دور زوجة تبحث بمعية زوجها عن ابن لتبنيه، واستطاعت ان تدخل الى منزل المعنية بالامر، وبالتالي تم ضبطها متلبسة بالجرم المنسوب اليها، وبعد ادراج القضية امام المحكمة، حكم على المعنية بالامر بالحبس لمدة ست سنوات حبسا نافدا. ومن هنا استخلص المتدخل أن المشرع والقضاء المغربيين شددا في القوبة عندما يتعلق الامر بضحية قاصر. وبخصوص مظاهر حماية الطفل من الاعتداء الجنسي. سرد انواع الاعتداء الجنسي الذي قد يتعرض له الطفل، التي قال إنه من اهمها: هتك العرض اذي قد يكون بعنف وقد لا يكون بعنف، ويقصد بهتك العرض ذلك الاعتداء ذو الطابع الجنسي الذي يكون محله جسم الطفل الذي يكون الهدف منه اشباع رغبة جنسية لدى الفاعل بدون ان يكون هناك اتصال جنسي مباشر بين الذكر والانثى، اما اذا كان هناك اتصال جنسي مباشر، فان الامر يكشف على اساس انه اغتصاب. ومن والامثلة الشائعة على هتك العرض، تحسس القاصر في مناطق حساسة من جسمه كالصدر والساقين، وبصفة عامة لمسه في أي مكان من جسمه، او تقبيله متى كان الغرض من ذلك هو تحقيق رغبة جنسية لدى الفاعل، سواء تحققت له هذه النتيجة ام لا. وقد عاقب المشرع على هذه الافعال بعقوبات تختلف بين ما اذا كان الهتك بعنف او بدون عنف، فان اذا كان بدون عنف فالعقوبة هي الحبس من سنتين الى خمس سنوات، اما اذا كان بعنف فان العقوبة ترتفع لتصبح السجن من 5 الى 10 سنوات، والفيصل في معرفة ما اذا كان الامر يتعلق بهتك عرض بدون عنف او بعنف، هو وجود الرضى من عدمه لدى الطفل المجني عليه، فاذا وجد الرضى، فان الامر يكيف على اساس ان هتك عرض بدون عنف والعكس صحيح، من الاخذ بعين الاعتبار ان القضاء المغربي ممثلا في محكمة النقض اصدر مؤخرا قرار ذهب من خلاله الى ان الطفل الصغير الذي يقل عمره عن 12 سنة سواء كان ذكرا او انثى، لا يمكن ان يتصور وجود الرضى بالنسبة اليه، وبالتالي فدائما عندما يتعلق الامر بهتك عرض قاصر يقل عمره عن 12 سنة، فاننا نكون امام هتك عرض بعنف ولو لم يكن موجودا في الحقيقة. هذا وتجدر الاشارة الى ان هتك العرض يمكن ان يقع على كلا الجنسين، الذكر والانثى بخلاف الاغتصاب الذي لا يمكن ان يقع الا على الانثى. وبخصوص الاغتصابالذي معناه مواقعة رجل لامراة بدون رضاها، وعناصر جريمة الاغتصاب هي: مواقعة رجل لامراة، أي ايلاج العضو الذكري للرجل في العضو التناسلي للمراة، اما اذا لم يتحقق الاتصال الجنسي المباشر، فان الامر يكيف على اساس انه هتك للعرض انتقاء الرابطة الزوجية، فالعلاقة الجنسية بين الرجل وزوجته لا يمكن اعتبارها اغتصابا ولو تمت هذه العلاقة بدون رضاها، فاذا حصل ان عاشر الزوج زوجته اكراها، فانه لا يعاقب على هذه المعاشرة في حد ذاتها، وانما قد يعاقب على جريمة العنف متى صاحب العلاقة الجنسية. ـ انتفاء الرضى، أي ان يتم الاتصال الجنسي بدون ارادة صريحة او ضمنية للمجني عليها، أي بالاكراه، والاكراه اما ان يكون ماديا كاستعمال العنف او التهديد بالسلاح الابيض، واما قد يكون معنويا مثل التهديد بافشاء سر معين، او استغلال حاجة ملحة لدى المرأة في مصلحة معينة، ومن صور الاكراه المعنوي ايضا، الحالة التي تكون فيها المراة فاقدة للوعي نتيجة تخديرها. ـ القصد الجنائي: أي توفد العلم لدى الفاعل واتجاه ارادته الى ان ما يقوم به هو اغتصاب، اما اذا انعدمت ارادته فلا مجال لمساءلته جنائيا، وعقوبة الاغتصاب بصفة عامة هي السجن من 5 سنوات الى 10 سنوات، اما اذا وقع الاغتصاب على قاصر يقل عمرها عن 18 سنة، فان العقوبة تصبح السجن من 10 سنوات الى 20 سنة. وهنا يظهر حسب المتدخل ” كيف أن المشرع ضاعف العقوبة عندما يتعلق الامر بالاغتصاب الذي تكون ضجيته فتاة قاصر “. ومن صور الاعتداء الجنسي على الاطفال ايضا، جلب قاصر لممارسة البغاء، او استدراجه لممارسة البغاء، تحريضه لممارسة البغاء، كذلك استغلال الاطفال في مواد اباحية او تصويرهم لأراض إباحية، فالعقوبة في مثل كل هذه الافعال هي عقوبة مشددة قد تصل في بعض الاحيان الى 20 سنة سجنا نافذا. ولعل هذه بعض صةر الاعتداء الجنسي على الاطفال، التي تشدد المشرع تشدد في العقوبة بشانها، حسب الاستاذ خالد مقصودي. خلاصة القول إن المشرع المغربي وضع اليات حمائية تحمي القاصرين في مناسبات عدة تكرس هذه الحماية.