تشخيص وتشريح دقيق للواقع الانتخابي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

آخر تحديث : الجمعة 3 فبراير 2017 - 2:35 مساءً
2017 02 03
2017 02 03

تكويني في الرياضيات والإحصائيات يدفعني مرارا إلى البحث في الأرقام وخاصة في التفاصيل الصغيرة ولكن ذات الدلالة الكبيرة في التحليل. هكذا ومنذ سنين دأبت على قراءة نتائج الانتخابات بكل من فرنسا وإسبانيا وبطبيعة الحال وطني المغرب. عادة ما يهم المواطن، هو النتائج العامة وخاصة الفائز بالانتخابات وأحيانا الخاسر. أما أنا فأغوص في نتائج كل دائرة وكل حزب. هذا العمل مُضني ومُتعب ويتطلب وقتا وصبرا. أحيانا لا أجد ما يشفي الغليل، لكن أحيانا أخرى أجد أشياء مهمة. هذا ما وقع لي بالضبط عندما بدأت تشريح تفاصيل نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة للسابع من أكتوبر 2016. وأنا أتصفح نتائج كل دائرة وجهة ومدينة كبرى، بدأت أرقام حزب تاريخي تثير فضولي. صدمتني وآلمتني ولم أكن أعتقد أنها سيئة للغاية رغم معرفتي باندحار وفشل هذا الحزب منذ زمن بعيد.

أتحدث عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي كان آمال المغاربة لعقود طويلة وقدم العديد من الشهداء والمعتقلين وصارع من أجل الديمقراطية وكون أجيالا من المناضلين والأطر والذي خاض أول تجربة للانتقال الديمقراطي، قادها القائد التاريخي عبدالرحمن اليوسفي. ستقولون أن اندحاره ظاهر للعيان. معكم الحق، وهذا كان موقفي أيضا. لكن لا تتسرعوا، الاندحار أعمق وأشمل وعام. امنحوني صبرا وستقرءون العجب العجاب. حينها لكم حرية الحُكم.

بداية كلنا نعلم أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كان من الأحزاب التي خسرت الانتخابات إذ بقدرة قادر تمكن من الحصول على عشرون مقعدا مكنته من تكوين فريق برلماني. ونعلم أنه خَسِر 19 مقعدا مقارنة مع انتخابات 2011 و37 مقعدا مقارنة بسنة 1997!!.. ونعلم أيضا أن المقاعد العشرون تتكون من 14 مقعدا في إطار اللوائح المحلية و6 مقاعد في إطار اللائحة الوطنية للشباب والنساء (يعتبرها البعض ريعا انتخابيا)… كما لا يخفى عليكم كون هذا الحزب حصل على 3 مقاعد من ضمن 8 مقاعد بجهة كلميم وادي النون ومقعدا من أربعة بجهة الداخلة وادي الذهب وصفرا من ضمن 21 مقعدا بجهة سوس ماسة ومقعدا واحدا من ضمن 39 مقعدا بجهة الرباط سلا القنيطرة ومقعدين من ضمن 57 مقعدا بجهة الدارالبيضاء سطات…

حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ينتمي للأممية الاشتراكية، وكلنا نعرف أن ثقافة الأحزاب الجادة مبنية على شرعيتين. الشرعية الحزبية وتتجسد في المؤتمرات الوطنية الدورية حيث يتم انتخاب قيادة الحزب انطلاقا من مشروع وأفكار وأطروحات قادرة على ربح المعارك الانتخابية وتمكين رئيس الحزب من الصراع على احتلال مراتب متقدمة ولما لا قيادة الحكومة. لذا فجل قادة الحزب يتقدمون للانتخابات للدفاع عن برنامج الحزب وربح الشرعية الشعبية الانتخابية. كيف تعامل حزب الاتحاد مع هذا الثابت الاشتراكي والحزبي؟ هنا خيبة الأمل كانت كبيرة لأن أغلب قادة الحزب بما فيهم الكاتب الأول لم يترشحوا، والغالب لعلمهم أن حظوظهم منعدمة. وها هو الدليل القاطع.

دأب الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي بالتقدم وأحيانا النجاح للبرلمان بالدائرة الانتخابية “الرباط-شالة”. لم يتقدم هذه المرة وكان قراره صائبا لأن لائحة الحزب في الدائرة احتلت المرتبة الثامنة ب 1.757 صوتا في الوقت الذي حازت لائحة حزب العدالة والتنمية على المرتبة الأولى ب 22.551 صوتا… القضية ليست مقتصرة على الكاتب الأول، بل نجد أن عضوا واحدا من ضمن 31 عضوا من المكتب السياسي المنتخب في آخر مؤتمر، استطاع الظفر بمقعد انتخابي، في الوقت الذي فاز 14 قياديا من ضمن 25 عضوا للأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية بمقاعد برلمانية وبالمرتبة الأولى وأحيانا بمقعدين وأكثر… يا ترى من يكون العضو القيادي الاتحادي الفائز في الدوائر المحلية؟

بطبيعة الحال تعرفونه، إنه “الحبيب المالكي”، أستاذ جامعي ومفكر اقتصادي وعضو قديم بقيادة الحزب وحاليا رئيس المجلس الوطني للحزب والأهم هو تبوأه ثالث مرتبة في هرم الدولة من خلال انتخابه رئيسا للبرلمان المغربي وذلك قبل تشكيل الأغلبية البرلمانية والحكومة. لأول وهلة سيقول قائل أن هذه المناصب ستجعلنا نستنبط كون الشخص المذكور يتوفر على معقل انتخابي لا يجادله فيه أحدا… للآسف الشديد هذا الاستنتاج غير صحيح بالمرة، بحيث نجده احتل المرتبة الثالثة في الدائرة الانتخابية “خريبكة” ب 10.168 صوتا ولكن بعيدا عن مرشح حزب العدالة والتنمية ب 15.979 صوتا ومرشح حزب الأصالة والمعاصرة ب 15.888 صوتا… ستقولون أنه بدون شك، سيكون قيدوم البرلمانيين وقائد الحزب لسنين عديدة يتوفر على معقل انتخابي قار وقوي… نتحدث عن “عبدالواحد الراضي” الذي عمر كل البرلمانات وتقدم لانتخابات 2016 بدائرته المعتادة “سيدي سليمان”… تعرفون نتيجته؟

نجح هذا القائد التاريخي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الحصول على مقعده البرلماني لكن باحتلاله المرتبة الثانية ب 10.733 صوتا وتفوق عليه الشاب ياسين الراضي ب 12.536 صوتا وهو المنتمي لحزب الاتحاد الدستوري، هذا الحزب الصغير اليوم، كان يُنعت حين تأسيسه بحزب الإدارة و”كوكوت مينوت” من طرف كوادر ومناضلي حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية… ألم أقل لكم أن التعمق في الأرقام سيثير شهيتنا في الاستمرار في الغوص في الأعماق… مثلا، هل تعلمون أن قياديا منتخبا في آخر مؤتمر للحزب وقدم استقالته منه وتقدم للانتخابات البرلمانية في صفوف حزب الأحرار نجح في الانتخابات واحتل المرتبة الأولى بمعقله الانتخابي بدائرة “ميدلت”؟

أتحدث عن “سعيد شبعتو” الذي حصل على الرتبة الأولى ب 16.085 صوتا في الوقت الذي حصل مرشح الاتحاد الاشتراكي بنفس الدائرة على المرتبة العاشرة ب 691 صوتا. لا بد من طرح هذا السؤال: هل هذا الشخص كان يعرف أن حظوظه وحظوظ الحزب الاشتراكي منعدمة واتخذ قرار مغادرة الحزب والتوجه لحزب آخر؟ هذا السؤال مشروع جدا حين نعثر بالصدفة على صورة مرشح آخر غادر الحزب الاشتراكي وترشح في صفوف حزب آخر واستطاع النجاح كبرلماني… والغريب في الأمر أن نفس الشخص ترأس لائحة حزب الاتحاد الاشتراكي خلال الانتخابات الجماعية لسنة 2015 بمقاطعة “حسان” بالرباط وحصلت لائحته على المرتبة الثامنة ب 726 صوتا وصفر مقعدا إذ لم تحصل على العتبة وإذا به يتقدم سنة 2016 في قائمة مرشحي حزب الأصالة والمعاصرة في دائرة “الراشيدية” وينجح كبرلماني بحصوله على المرتبة الثانية ب 15.744 صوتا في حين حصل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على المرتبة السادسة ب 7.233 صوتا… إنه النقابي “عدي بوعرفة”… هل تريدون المزيد؟

كلنا نعلم أن حزب الاتحاد الاشتراكي الذي قاد صفوف المعارضة الوطنية لسنين عديدة من موقع طليعي يصعب عليه قبول كونه أصبح حزبا وطنيا عاديا وصغيرا وفي حاجة لأحزاب أخرى أصبحت تلعب أدوارا كبرى على الساحة السياسية الوطنية. هكذا فالمتتبع العادي يفهم كيف أصبح حزب الاتحاد الاشتراكي قريب من حزب، كان إلى البارحة ينعته بالوافد الجديد، ألا وهو حزب الأصالة والمعاصرة الذي بفضل 102 من برلمانييه استطاع أحد القادة الاشتراكيين من الفوز برآسة البرلمان. ويفهم أيضا صراعه ومعارضته لحزب العدالة والتنمية الذي أصبح حزبا ذو شعبية كبيرة ويكتسح المواقع الانتخابية. هنا ما يهمنا هو الخطة التي نهجها حزب الاتحاد الاشتراكي لمنافسة أمين عام حزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة “عبدالإله بنكيران” في الدائرة الانتخابية “سلا المدينة”… الصدمة ستكون قوية لمن لا يدري النتيجة…

تقدم “عبدالإله بنكيران” لمرة أخرى بمعقله الانتخابي في مواجهة 14 حزبا وكانت هذه الدائرة لرمزيتها مثار اهتمام وطني ودولي. واستطاعت لائحة حزب المصباح من الاكتساح الانتخابي إذ حصلت على نصف الأصوات المعبر عنها بما مقداره 36.404 صوتا ومقعدين ضمن أربعة مقاعد. لننظر الآن في موضوع منافسة حزب الاتحاد الاشتراكي لخصمه الأول والرئيس. قلت سابقا، الصدمة كانت قوية، لأنه لم يكن هنالك في أرض الواقع أي تنافس يذكر، بل هزيمة كبيرة لمرشح الاتحاد الاشتراكي الذي لم يستطع تجاوز الألف صوت، بتحقيقه 913 صوتا من أكثر من 72 ألف صوت معبر عنها…

هذا دليل قاطع على أن المعارضة الكلامية للاتحاد الاشتراكي رغم حدتها وأسلوبها وأدواتها وأفكارها، لا تأثير لها على أرض الواقع الانتخابي المغربي… وما يحز أكثر في النفس هو كون لائحة الاتحاد الاشتراكي بنفس المدينة وبدائرة “سلا الجديدة” وفي مواجهة أحد قياديي العدالة والتنمية ووزرائه خيبت الآمال حيث فاز حزب المصباح بمقعدين من ثلاثة وب 25.020 صوتا في حين اندحرت لائحة الاشتراكي للصفوف الأخيرة ب 355 صوتا، متقدما عليها حزب صغير وهو حزب البيئة والتنمية المستدامة ب 404 صوتا…

والغريب هو أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حصد في العديد من الدوائر على أصوات قليلة جدا ولا تصل الألف وأحيانا عشرات الأصوات كما هو الحال في دائرة “النواصر” بالدارالبيضاء حيث احتلت لائحته المرتبة الأخيرة ب 127 صوتا يتقدم عليه حزب جديد هو حزب الديمقراطيين الجدد ب 213 صوتا، كما احتل الصف ما قبل الأخير بدائرة “مديونة” ب 65 صوتا (نعم 65 صوتا) ضمن أكثر من 30.000 صوت معبر عنها وبعيدا عن أحزاب صغيرة مثل حزب الشورى والاستقلال (92 صوتا) وحزب البيئة والتنمية المستدامة (74 صوتا)… سيقول البعض أن هذا الأمر يقع لكل الأحزاب لأنه يصعب عليها ضبط كل الخريطة الانتخابية الوطنية. أجيب بنعم وفي نفس الوقت أقول أن هذا الأمر يمكن أن يحدث لأحزاب جديدة وصغيرة وغير معروفة. إننا هنا بصدد الحديث عن حزب المهدي بنبركة وعمر بن جلون وعبدالرحيم بوعبيد وعبدالرحمن اليوسفي والفقيه البصري ونوبير الأموي ومحمد اليازغي وعبدالواحد الراضي وآخرون كثر، بمعنى آخر نتحدث عن حزب معروف في كل مدينة وقرية وحارة ودار… يمكن لحزب كبير أن ينهزم انتخابيا ولكن بهذا الشكل فهو عقاب انتخابي ونكسة وليس هزيمة… خاصة أن هذا الوضع عام وشامل وفي كل المدن الكبرى وفي المعاقل التاريخية للحزب. والطامة الكبرى هو كون حزب يساري صغير لم يحصل سوى على مقعدين برلمانيين استطاع التفوق على حزب تاريخي كبير في دوائر كثيرة نذكر منها:

مدينة الرباط، عاصمة المملكة، وقلعة اتحادية تاريخية منذ تَقَّدم الشهيد المهدي بنبركة لمنافسة الفديك سنة 1963 بيعقوب المنصور، هذه المدينة التي صمدت في وجه التزوير في سنوات الرصاص ومنحت مقاعد برلمانية عديدة لقادة الاتحاد حتى أصبحوا برلمانيين ووزراء، أصبحت “مقبرة” للوائح الاتحاد الاشتراكي وهذا يتجلى في النتائج المحصل عليها من طرف مرشحي الحزب الاشتراكي. هكذا وفي دائرة “الرباط-المحيط”، حصل مرشح الاتحاد على المرتبة الثامنة ب 1.109 صوتا واستطاع “عمر بلافريج” وكيل لائحة تحالف أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي بالظفر بمنصب برلماني باحتلاله الصف الثالث ب 8.048 صوتا في الوقت الذي احتل حزب العدالة والتنمية الصف الأول ومقعدين ب 29.531 صوتا. أما في قلعة الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، دائرة “الرباط-شالة”، فكما قلنا سابقا احتل وكيل لائحة الاتحاد الاشتراكي المرتبة السادسة ب 1.757 صوتا وتجاوزه اليسار الديمقراطي ب 3.085 صوتا، في حين فازت لائحة حزب العدالة والتنمية بمقعدين و 22.551 صوتا..

ما وقع في الرباط، حدث أيضا في كبريات المدن وفي معاقل سابقة للاتحاد الاشتراكي. نأخذ مثلا المدينة العمالية والاقتصادية والمالية، الدارالبيضاء، حيث السمة البارزة هي الهزيمة والاندحار… فمن ضمن 57 مقعدا برلمانيا يخص جهة الدارالبيضاء-سطات، فاز الاتحاد الاشتراكي بمقعدين في كل من مدن الجديدة وسطات، أما في مختلف مقاطعات وعمالات الدارالبيضاء فصفر مقعد. لكن ما يلفت الأنظار كون الحزب الصغير، تحالف أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي، حصل على أصوات أكثر من حزب الاتحاد الاشتراكي في كل المقاطعات بدون استثناء.

بل في دائرة الطبقة المتوسطة والكبيرة، عمالة مقاطعة أنفا، استطاع “مصطفى الشناوي” عن حزب اليسار الديمقراطي من ربح مقعد برلماني بحصوله على المرتبة الرابعة و 6.629 صوتا في حين حصلت لائحة الاتحاد الاشتراكي على المرتبة السادسة ب 3.477 صوتا والمرتبة الأولى عادت لحزب العدالة والتنمية بمقعدين و 30.617 صوتا.. إنها أرقام صادمة وعقاب انتخابي يصعب إخفاءه.. هكذا وبدائرة “عمالة مقاطعة ابن مسيك” (الأول، العدالة والتنمية ب 15.584 صوتا واليسار الديمقراطي 648 صوتا والاتحاد الاشتراكي 426)، “دائرة مقاطعة الفداء مرس السلطان” (العدالة والتنمية 21.439 واليسار 1.213 والاتحاد 685)، “دائرة مقاطعة سيدي البرنوصي” (العدالة 33.140، اليسار 2.208، الاتحاد 832)، “مقاطعة عين السبع الحي المحمدي” (العدالة 27.038، اليسار 2.208، الاتحاد 2.068)، “عمالة مقاطعة مولاي رشيد (العدالة 26.039، اليسار 946، الاتحاد 799)، “عمالة مقاطعة الحي الحسني” (العدالة 22.799، اليسار 2.262، الاتحاد 609)، “مقاطعة عين الشق” (العدالة 23.545، اليسار 2069، الاتحاد 548).. وتحدثنا سابقا عن دائرة “مديونة” ودائرة “عمالة مقاطعة أنفا”… الخلاصة الصادمة، في كل الدوائر الانتخابية بمدينة الدارالبيضاء، تفوق الحزب الصغير، تحالف أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي، على الحزب التاريخي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ووقع عقاب تاريخي له من طرف الناخبين…

نفس الوضع نجده في كل المدن الأخرى، نأخذ مثلا العاصمة العلمية للمملكة، فاس، التي كانت معقلا انتخابيا للاتحاد الاشتراكي.. هكذا تجاوز حزب تحالف أحزاب اليسار الديمقراطي (4.659 صوتا) حزب الاتحاد (4.496) بينما احتل حزب العدالة والتنمية الصدارة ب 75.398 صوتا!!.. مثلا مدينة مراكش بكل دوائرها بوأت حزب العدالة والتنمية الصف الأول ب 91.384 صوتا واليسار (5.815) والاتحاد (2.434 صوتا)، والغريب أنه في دائرة “مراكش جليز المنارة”، التي عرفت حربا ضروسا ضد ترشيح السلفي حمادي القباج بمساهمة مرشح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، كانت نتيجة التصويت عقابية في حق هذا الأخير إذ احتل المرتبة السابعة ب 930 صوتا، في حين احتل تحالف اليسار الصف الخامس ب 2.267 صوتا وحزب العدالة والتنمية الصف الأول ب 27.959 صوتا. وكنت في كتابات سابقة تحدثت عن اندحار صوت القوات الشعبية خلال الانتخابات الجزئية لسنة 2013 بنفس الدائرة وكان حينها مرشح حزب الاتحاد الاشتراكي حصل على 446 صوتا. الوضع الانتخابي لحزب الاتحاد الاشتراكي في تقهقر مستمر…

وليس بعيد عن الرباط، بدائرة “الخميسات ولماس”، معقل الحركة الشعبية، حيث حصل هذا الأخير على الصف الأول ب 13.470 صوتا واليسار الديمقراطي الصف العاشر ب 863 صوتا والاتحاد الاشتراكي الصف الثالث عشر بسوى 182 صوتا، وراء أحزاب مثل حزب الشورى والاستقلال وحزب الحرية والعدالة الاجتماعية وحزب القوى الديمقراطية وغيرها!!..

أما في دائرة “طنجة أصيلة”، فحزب الاتحاد الاشتراكي يعتبر منقرضا بلغة الأرقام، إذ احتل الرتبة السابعة ب 748 صوتا فيما تحالف اليسار الصف الخامس ب 2.668 صوتا وحزب العدالة والتنمية الصف الأول على الصعيد الوطني ب 60.278 صوتا وثلاثة مقاعد… وبدائرة “الرحامنة”، عاقب الناخبون حزب الاتحاد بحصوله على 190 صوتا في الوقت الذي حصل اليسار الديمقراطي على 3.813 صوتا واحتل حزب الأصالة والمعاصرة الصف الأول ب 26.513 صوتا.. ونفس المصير بمدينة مكناس، الاتحاد 2.090 واليسار 5.875 والصف الأول للعدالة ب 48.120 صوتا… وبالشرق، بدائرة “وجدة أنكاد”، الاتحاد احتل الصف الخامس ب 1.676 صوتا واليسار الصف الرابع ب 2.103 والصف الأول احتله حزب الأصالة والمعاصرة ب 30.448 صوتا… أينما وليت نظرك في خريطة المغرب وإلا عثرت على نتائج عقابية في حق مرشحي حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية…

لتعرج على الجنوب وبقلعتين تاريخيتين للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أتحدث من جهة عن “أكادير إداوتنان” (الصف الأول، حزب العدالة والتنمية ب 36.504 صوتا والاتحاد في الصف الرابع ب 3.758 صوتا)، ومن جهة أخرى على مدينة “تارودانت” (الصف الأول، العدالة والتنمية ب 59.781 صوتا والاتحاد الاشتراكي في الصف الخامس ب 5.918 صوتا)… هل تريدون المزيد؟ أسمعكم تقولون: كفى، كفى… إنه أمر مؤلم لكل من عايش أو ناضل أو صوت على هذا الحزب العتيد الذي كان يقضي وجع السلطة لعشرات السنين. لكن الأخطاء والابتعاد عن هموم الشعب ومطالبه، لها تكلفة انتخابية كبيرة وها هو أحد أكبر الأحزاب التاريخية ينقرض انتخابيا رويدا رويدا واستحقاقا وراء استحقاق منذ زمن بعيد، ولا يبدو في الأفق تغيير لهذا المسار الاندحاري…

ولولا تدارك الأمر من طرف سلطة الإدارة الترابية التي دافعت عن تخفيض العتبة من 6 بالمائة إلى 3 بالمائة وعرقلة تأسيس حزب اليازغي الإبن، لكان الاتحاد الاشتراكي اليوم بدون فريق برلماني وأعضائه في حدود 15-16 برلماني وبرلمانية!! وهذا نستشفه من نتائج برلمانيي الحزب الناجحين ب دائرة “تطوان” (الصف الخامس ب 10.639 صوتا في حين حصل العدالة والتنمية على الصف الأول ب 20.136)، دائرة “وزان” (الصف الثالث ب 11.190 صوتا والحزب الأول ب 24.871 صوتا)، دائرة “الجديدة (المرتبة الخامسة ب 10.418 صوتا والصف الأول حزب الاستقلال ب 25.163 صوتا) وأخيرا دائرة “سطات” (المقعد الرابع ب 8.875 صوتا والحزب الأول العدالة والتنمية ب 20.542 صوتا)… كل هذه المقاعد كانت ستكون في عداد المقاعد الخاسرة لم بقيت العتبة في 6 بالمائة والجميع يتذكر أن حزب القوات الشعبية كان قد دافع سنوات عدة عن ضرورة تخليق المشهد السياسي من خلال رفع العتبة إلى 10 بالمائة!!…

يمكن أن نستمر في هذا التشريح وذلك من خلال تحليل دقيق للواقع الانتخابي في الدوائر التي خسرها الحزب، وهي 19 دائرة مقارنة مع استحقاقات 2011، بما فيها المعقل الانتخابي للمرحوم الزايدي بدائرة “بنسليمان” ودوائر أخرى كما هو حال “أكادير” و”قلعة السراغنة” و”الحسيمة”… كما يمكن الغوص في تحليل بروفيلات البرلمانيين الجدد للحزب وعلاقتهم بتاريخ الحزب… كل هذا موجود ويمكن أن يكون مادة لمقال لاحق… لنكتفي بهذا القدر، لأن النبش والتعمق أكثر في الأرقام لن يغير من واقع الاندحار، أو بالأحرى الانقراض كما كان يتنبأ به أحد القادة والمفكرين الكبار لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، السوسيولوجي محمد كسوس رحمه الله، الذي كان في محاضرات حزبية عديدة يحذر من انقراض الحزب كما وقع للعديد من الأحزاب التقدمية بدول عديدة كمصر مثلا…

كما يجب التوضيح أيضا أننا لم نتطرق للمشاكل والصراعات الداخلية للحزب، بل حاولنا التطرق بكل موضوعية وتجرد عن الوضع الانتخابي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية انطلاقا من نتائج الانتخابات الصادرة رسميا عن وزارة الداخلية… عادة، بالنسبة لحزب اشتراكي ينتمي للأممية الاشتراكية وقريب من تنظيماتها القوية بكل من فرنسا وإسبانيا والبرتغال، ما يتقدم قادة الحزب ليلة الهزيمة الانتخابية بتقديم الاستقالة أو على الأقل طلب التئام هيئات الحزب لتقييم الوضع الانتخابي والتنظيمي والخط السياسي في إطار الإعداد لمؤتمر استثنائي يعالج الخلل تنظيميا وسياسيا…

اختار قادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ ظهور نتائج الانتخابات ليلة السابع من أكتوبر 2016، التفرغ للتحالفات الحزبية من أغلبية ومعارضة والبحث عن موطئ قدم داخل هذه الكتلة أو تلك والدفاع عن حقهم في المناصب انطلاقا من رصيدهم الحزبي التاريخي غير آبهين بنكستهم الانتخابية وتحقق لهم ذلك من خلال الظفر برئاسة البرلمان بفضل أصواتهم العشرون وأصوات أحزاب الإدارة، أساسا حزب الأصالة والمعاصرة ببرلمانييه المائة واثنين وكذا أصوات حزب الأحرار (37) وحزب الاتحاد الدستوري (19) وحزب الحركة الشعبية (27)… واليوم، يدافعون على “حقهم” الدخول للحكومة في إطار تكتل حزبي يقوده الرجل القوي الجديد…

هناك مقاربتان للشأن الحزبي، المقاربة السائدة بالأحزاب الاشتراكية الأوروبية التي لا يمكن لها التغاضي عن نتائج الانتخابات والتي تتفاعل في الحين مع نتائجها أو توقعاتها، وهو الواقع الذي ألزم الرئيس الفرنسي إعلان انسحابه من الانتخابات التمهيدية لرئاسة الحكومة وفرضت على وزيره الأول خوضها وفشله في تحقيق الدعم التمهيدي لشعب اليسار… ويبدو أن حزب الاتحاد الاشتراكي اختار مقاربة أخرى، لا تبالي بنتائج الانتخابات وبصوت الشعب واختار الاصطفاف إلى جانب صف الأحزاب القريبة من مراكز القرار وذلك في أفق بناء حزب جديد تقليدي يعتمد على الأعيان وليس المناضلين… إلا أن السؤال يطرح نفسه إن كان الأعيان سيختارون حزب الاتحاد الاشتراكي عوض أحزاب الأحرار والأصالة والمعاصرة؟ أم أن قادة الاتحاد الحاليين اختاروا طريق الدفاع عن مصالحهم الشخصية وجعل الحزب المعارض التاريخي الذي كان يلعب أدوارا ريادية، حزبا صغيرا وتابعا لأحزاب أخرى… هذه أسئلة يطرحها العديد من المواطنين في انتظار وضوح الصورة… وللحديث بقية عن الواقع الانتخابي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وأحزاب وطنية أخرى…