حديث مع الصورة: الذكرى الثانية “للنكبة” الرودانية

آخر تحديث : الجمعة 8 مايو 2015 - 9:10 مساءً
2015 05 08
2015 05 08

مدونة : علي هرماس المسجد الجامع الكبير بتارودانت يعود تاريخ بناءه لأزيد من خمسة قرون، يعتبر بحق مؤسسة اجتماعية وعلمية وفكرية وتاريخية وثقافية، حسب المستشرق ليفي بروفنسال يقول عن أهميَّة الجامع في الحضارة الإسلاميَّة : المركز الحقيقي الذي يُعَدُّ قلب المدينة الخفَّاق هو المسجد الجامع، وما يلاصقه في أي مدينة إسلاميَّة لها شيء من الأهمية، ذو منزلة تُغني على كل إطناب، ذلك بأنه ليس بيت العبادة فحسب، ولكنَّه المركز الذي تدور حوله الحياة الدينية، والعقلية، والسياسية للمدينة. كما ذهب رأي آخر للقول ان المسجد الجامع، يمكن اعتباره مقر برلمان محلي مصغر لأهل الحل والعقد، حيث تتخذ من فوق المنصة/المنبر القرارات التوجيهية، لذلك يَجب أن يتخذ المسجد الجامع مِفْتاحًا لكل دراسة طبوغرافيَّة أو تاريخيَّة، في أي مدينة إسلاميَّة، والواقع أنه من النَّادر أن يصف جغرافِيٌّ عربي مدينة دون أن يبدأ بجملة من الأخبار عن المسجد الجامع فيها. ولو بحثنا في دور المسجد الجامع الكبير بتارودانت والقرارات التي اتخذت ما بين محرابه ومنبره وخرجت من هناك الى أرجائه في فترات سابقة من تاريخه، لوجدنا عاملين أساسيين يقفان وراء هذا السر الرباني: أولهما يرجع للمسجد ذاته ويتمثل في اقتداره على أداء دوره في توجيه الحياة، وثانيهما يرجع إلى المجتمع ويتمثل في الطابع الديني الذي كان يسيطر على حياة الناس ويصبغها صبغة دينية شاملة، يضاف لهذين العاملين عامل ثالث متمم، هو كون المجتمع المغربي بصفة عامة قبل خضوعه لنظام الحماية لم تكن فيه مؤسسات اجتماعية تزاحم المسجد وتنافسه في دوره الذي انفرد به دون غيره. فقد اقتضى تطور المجتمع أن تقوم فيه مؤسسات متنامية أخذت لها أدواراً تضطلع بها فقامت المدرسة العصرية إلى جانب المسجد، وأصبحت هي المسؤولة عن مهمة تعليم النشء وتربيته وتحولت مظاهر الحكم والسلطان من المسجد الجامع إلى مواقع أخرى في المجتمع تمارس فيها ومنها عمليات التشريع والتوجيه والتخطيط والتنفيذ الكبرى ذات الأثر البعيد في صياغة الحياة العامة للمجتمع. تحل بنا الذكرى الثانية ” للنكبة ” الرودانية التي أتت على المعلمة الحضارية المغربية ” المسجد الجامع الكبير” بتارودانت يوم الثلاثاء 26 جمادى الثانية 1434 موافق 7 ماي 2013 أثناء صلاة الصبح ، هو ثالث ثلاثة مساحة وعمارة وأقدمية تاريخية بعد القرويين للأدارسة بفاس والكتبيين للموحدين بمراكش والجامع العتيق للسعديين بتارودانت، على الدوام حظي بعناية ربانية تتجسد في الأهمية الخاصة والعناية الفائقة التي حظي بها مند تجديد عمارته ابان الفترة الأولى التي شهدت خلالها الدولة السعدية ازدهارا مطردا في جميع الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كان منبعها رحم المسجد العتيق ، كما كان يسمى في الفترة السعدية تمييزا له عن المسجد الجديد بأم الأحباب الذي أسسه عبد الملك بن مروان بعد انتقال العاصمة السعدية لمراكش؛ الجامع الكبير كان يعتبر بحق جامعة رودانية ومدرسة مولوية درس بها بعض الأمراء السعديين، وكانت تدرس به مختلف العلوم الدينية وعدد من العلوم الدنيوية خاصة الحساب/الجبر لارتباطه بالفرائض، والهندسة لارتباطها بعلم الفلك وعلاقته بالمواسم الفلاحية والدورات الزراعية والهندسة المعمارية، وأعظم تطبيق لعلوم الهندسة المُدرّسة سابقا بمسجد الجامع الكبير، هو شاهد عصره سور تارودانت العظيم بكل ما تحمل الكلمة من معاني العظمة ابهرت الخبراء الأوربيين الذين ساهموا بخبرتهم في أشغال الندوة الدولية 1995 التي عقدت بتارودانت قبل عقدين بخصوص ترميم سور تارودانت. قبل وضع النظام الاداري الحالي للأوقاف مع دخول نظام الحماية الفرنسية للمغرب، كانت جميع الهبات الحبسية يتم وقفها لفائدة المساجد، وقد حظي المسجد الجامع الكبير بالنصيب الأوفر منها، نادرا ما تخرج الوقفيات عن هذا النطاق، هذا التوجه كان له اثره الايجابي على ازدهار مدرسة/جامعة المسجد الجامع العتيق لدرجة أن موظفي الدولة السعدية الكبار، حتى بعد انتقالها إلى مراكش، تخرجوا من الجامع الكبير، كذا قواد الجيش وحيسوبي الدولة وقضاتها وحجابها درسوا بهذا الجامع، وكفى بها من مدرسة فخرا، أنها خرجت سلطان عصره الذي أعاد للمغرب هيبته بين الدول، أحمد المنصور الذهبي ذاته. في نفس المجال بشكل مغاير، حظي المسجد الجامع الكبير بهبات وقف حبسي عبارة عن كتب وأسفار ومخطوطات كدعم للمدرسة من الأمراء والسلاطين، شكلت أساس أول خزانة علمية شاملة عامة بتارودانت، وهي أول مكتبة عامة بحاضرة سوس، تأسست مند عهد دولة السعديين وبقيت تزخر بمدخراتها المخطوطة القيمة الى منتصف عقد الخمسينات من القرن العشرين، وكان أول وقف كتبي موثق هو للسلطان عبد الله الغالب بن محمد الشيخ السعدي نهاية القرن العاشر الهجري ،ثم قائمة طويلة بما تبرع به ابي مروان بن عبد الملك السعدي، ثم الأمير عبد الملك بن المولى اسماعيل العلوي حبس عددا من الأسفار بتاريخ 10 محرم 1139هـ ، بعده السلطان محمد بن عبد الله وابنه المولى عبد السلام ، ثم المولى الحسن بن محمد بن عبد الرحمان الذي أرسل الى القاضي الطيب بن محمد التملي الروداني مجموعة كتب مطبوعة بالآلة الحجرية التي اشتراها الروداني في المشرق ، وأول ما طبع بها للتبرك به 103 نسخ من كتاب الشمائل المحمدية للترمدي في 144 صفحة ، بعث الأمير 5 نسخ منه لخزانة الجامع الكبير، وكتب أخرى بتاريخ 11 ربيع الأول النبوي 1284 هـ/ 29 يونيو 1865م ؛ بعض هذه المدخرات تحول من تارودانت الى فاس ومن هناك الى مكتبة أسكوريال باسبانيا ،،، وآخر ما بقي من الكتب والمخطوطات قامت جمعية علماء سوس بتحويله الى خزانة المعهد الاسلامي بتارودانت سنة 1958، ليتحول بعضها مرة اخرى الى مقبرة الخزانات الخاصة … في نفس المجال الحبسي بشكل ثالث، الجامع الكبير حظي بمصادر تمويل من نوع آخر عبارة عن مستفاد وقف مياه مصارف متفرعة عن ساقية تاملالت احد أهم المجاري المائية السطحية بتارودانت مند قرون/انظر المدونة السابقة ، وقد أصدر السلطان احمد المنصور بن احمد الشيخ السعدي سنة 1005هـ ظهيرا الى قائد تارودانت يأمره بالصرامة : ))نسخة من ظهير كريم لأمير المؤمنين السلطان المشهور مولاي أحمد المنصور بن مولاي محمد الشيخ الشريف الحسني رضوان الله عليه وعن سلفه الصالح عليه طابعه الكريم المتوسط الذي تنفذ به أوامره في المحل الذي يوضع فيه الطابع في كتبه بعد البسملة نصه لسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم عن الأمر العلي المجاهدي الامامي المنصور الحسني ايده الله ونصره وصيفنا الأنجد قايد السقيف بحضرتنا المحمدية محمد بن الحسين ارشده الله سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فنامركم ان تراقبوا احوال المصرف الذي يجلب الماء للجوامع بحضرتنا المذكورة وهو المحادي لسور القصبة وامنعوا من يقطع ماءه ويرد السقي للجنات وغيرها ومن اجترأ وفعل ذلك فعاقبوه بما يردعه لا يصلكم التفريط في هاده المسئلة ولا بد و لا بد والسلام وكتب به في اواسط محرم فاتح عام خمسة والف سنة(( . بعد الدولة السعدية جاءت مرحلة سلاطين الدولة العلوية وخلفائهم بالجنوب، من ذلك ما يفيدنا به الظهير التالي المؤرخ في 1129هـ ((الحمد لله انتهى بناء الحمام الجديد المنشأ في دار الثقة المعروفة للاحباس بداخل المحمدية ردانة حرسها الله بجوار الجامع الاعظم عمره الله بدوام الذكر فيه يوم الجمعة الاول من شهر رجب من عام تسعة وعشرون ومائة وألف وخدم يوم السبت غدا تاريخ بنائه وكان دخوله مند ثلاثة ايام متصلة وبعد يحبس كراؤه للمستقيل على مكتريه الى تمام زمان كرائه جعله الله مباركا ميمونا مسعودا بالسلامة والعافية في الدين والدنيا والاخرة فالله يتقبل عمل سيدنا ابي مروان مولانا عبد المالك بن سيدنا امير المؤمنين المؤيد بالنصر والتمكين الذي ارشد على احيائه لما في نظره ايده الله من المصلحة والسداد للاحباس والعمارة للمسجد المذكور وكان هو السبب لذلك ايده الله وكمل الله المراد بحوله وقوته بلغ الله قصده وامله انه على ذاك قدير وبالاجابة جدير نعم المولى ونعم النصير وكان مبدؤه على يد الامين الارضى السيد الحاج احمد بن احمد بن ابراهيم اخضار ثم من بعده الناظر الطالب احمد بن موسى ثم ختم وتم على يد الناظر المحترم الطالب مسعود بن موسى نفع الله الجميع باجره فلهم انشاء الله اجر هاذه الحسنة ومن عمل بذاك الى يوم القيامة وهو ملك للأحباس)). ثم جاء المولى الرشيد بن محمد بن الشريف الحسني الذي قام باقتطاع طرف شمال الصحن لتوسعة مكان الصلاة، ما مكن من تشيد بلاطيْن هما تمام العشرين بلاطا سنة 1082هـ/ 1660م حسب ما هو منقوش بالجبص سابقا على صاريتين بالمسجد، روعي في التوسعة نسخ هندسي وتطابق معماري لما شيده السعديون قبل تاريخه، ولولا اللوحتين المذكورتين لما تبين الزائر الفرق الزمني في العمارة. يوم الخميس 29/03/1947 /1364هـ حل المغفور له محمد بن يوسف بتارودانت في أول زيارة له، وأخبر أن المسجد الجامع الكبير بالمدينة سقوفه تكاد تخر وتنهد الجدران أرضا، لما رجع طيب الله ثراه الى قصره بالعاصمة، أعطى أمره الى محمد ملين مندوب عموم الأوقاف بالرباط، في الحين أزيل السقف التحفة المزخرف بفن التربيع والتوريق، رممت جدران الطابية ، أعيد بناء السقف الهرمي بلاطا تلو الآخر، تلته عملية تركيب عود الأرز المزخرفة صفيحة تلو الأخرى، ليكتمل شكل العمارة الفنية الداخلية؛ حاولت سلطات الاحتلال استغلال حدث الترميم بعد نهايته لتعقد بالمسجد الجامع الكبير البيعة الصورية لمحمد بن عرفة، لكن اعتراض الرودانيين بل تهديدهم بنسف الحفل، حدى بالمحتل الفرنسي لتحويل الحدث الى المسجد الجامع بسيدي وسيدي. 1980م / 1400هـ ، تم تخصيص مبلغ 541920 درهم لترميم الجامع الكبير من ميزانية وزارة الأوقاف، من دون التطرق لما شاب العملية من تشويهات معمارية طالت تقاسيم وتحريفات الصومعة ومواد البناء الحديثة التي أدخلت قصرا في الترميم. 2002م / 1423هـ ميزانية أخرى للترميم من وزارة الأوقاف قاربت 700 مليون سنتيم ، حصلت على الصفقة من المنبع شركة فضلت الإشتغال في الظل والتكتم. لنصل الى يوم الثلاثاء 26 جمادى الثانية 1434 موافق 7 ماي 2013 أثناء صلاة الصبح، لما اندلعت على حين غفلة نار لم تبقي ولم تذر سوى 15% من مجموع المسجد، هي عبارة عن صومعة على طرف وصاريات بالوسط وجدار محيط كله متصدع، تخاله مسجد حسان بالرباط ؛ بلغ صدى “النكبة” كافة أصقاع المعمور، فتدخل جلالة الملك محمد السادس بهدى وتوفيق من الله وجريا على سنة سلفه سلاطين وأمراء المغرب السابقين، فكان خير خلف لأحسن سلف وتكلف من ماله الخاص بإعادة بناء المسجد الجامع الكبير بتارودانت بغلاف مالي قدره 27.537.235.46 درهما ، تقبل الله هبة مولانا امير المؤمنين، واذخرها له في سجلّ حسناته للآخرة، كما سجلها له التاريخ الروداني والوطني في الدنيا.

numérisation0002 numérisation0003 numérisation0002.2 كل زمن وسجلّ المسجد الجامع الكبير بتارودانت بألف خير