حديث مع الصورة : الغاية من الدراسات الاجتماعية زمن الحماية

آخر تحديث : الإثنين 1 يونيو 2015 - 11:31 صباحًا
2015 05 31
2015 06 01

مدونة : علي هرماس قصد توطيد نفوذها، عملت فرنسا عقب توقيع معاهدة الحماية على تقسيم المغرب إلى سبعة أقاليم؛ ثلاثة منها مدنية، وهي :الرباط والبيضاء ووجدة. وثلاثة عسكرية، وهي: فاس ومكناس وأكادير ومراكش بوضعية مزدوجة مدنية وعسكرية في آن، تباشر السلطة الفعلية على مستوى هذه الجهات بواسطة المراقبين المدنيين في المناطق المدنية، وضباط الشؤون الأهلية في المناطق العسكرية. ولهم سلطة مطلقة في جميع الميادين. لكن ظهير1917 قلص من اختصاصاتهم، وأصبحوا تحت أمر المراقبين المدنيين. وبالعكس أصبح للقواد الكبار والباشوات اختصاصات واسعة تشمل القضاء وجمع الضرائب التي يتقاضون أجورهم منها بنسب معينة. لأجله فرضت سلطة الحماية ضرائب مختلفة على المغاربة، ففي مجال الضرائب الفلاحية كانت ضريبة الترتيب تؤدى في البوادي على المزروعات والمواشي والأشجار المثمرة بناء على تصريح صاحب الأرض مغربيا أم أجنبيا، وتستخلص الضرائب حسب النوع والمردود. وترتفع قيمتها كلما احتاج المستعمر إلى مداخيل إضافية. كما أحدث ضرائب جديدة بالمدن كالضريبة الحضرية والمهنية وضريبة السكنى ورسوم أخرى على الأسواق والنظافة ،بالإضافة إلى الاكتتابات والتبرعات الإجبارية، التي يسهر على جمعها الأشياخ والمقدمون لفائدة القياد الكبار والباشوات. تعتبر الضرائب الجبائية أهم مورد مالي لخزينة الدولة، لكن فرضها يتطلب على الدوام مراعاة ظروف الأهالي المعيشية تجنبا للاحتقان الذي كان على الدوام مصدر الانتفاضات والثورات ضد الاجحاف والقهر في ظروف قاسية كجائحة الحرارة المفرطة أو وضعية غير ملائمة كالجفاف، فقامت فرنسا بعدة دراسات للبنية السياسية والاجتماعية المغربية، هي اهم ما ركزت عليه بنود عقد الحماية، وقد سبقت هذا الإجراء عدد من عمليات الاستخبار مغلفة برداء الاستكشاف ودراسات من صميم علم الاجتماع – سوسيولوجيا –. بل يمكن القول أن مجموعة عناصر أجنبية فرنسية مطلع القرن العشرين لعبت دورا محوريا بأوجه مختلفة في هذا المجال. كان هدف البعثات هو البحث في عين المكان عن كل ما من شأنه المساعدة على دراسة المغرب وإعادة تركيب نظمه الادارية والحياة الاجتماعية، ليس فقط انطلاقا من الكتب والمخطوطات بل كذلك بفضل المعلومات الشفوية وتراث القبائل وجماعات الطوائف الدينية وغيرها من مصادر الأخبار، مما يفهم منه ان الأمر يتعلق منذ البداية بدراسة علم الاجتماع بشكل شمولي معمق، لأن المغرب ظل على الدوام يشكل استثناء في الزمن والتاريخ خلاف باقي الأقطار العربية التي ظلت موحدة تحت راية الإمبراطورية السلطانية العثمانية. شكل مجموع الإنتاج الأجنبي رصيدا هائلا ومتنوعا، كما أن مؤلفيه يختلفون من حيث الوظيفة، فهناك العسكريون رؤساء البعثات بزي مدني، والتجار، والسياح المستكشفون، منهم من دخل المغرب بصفته قسيسا مثل جوستنار الذي قضى بمنطقة سوس 15 سنة يعمل كرجل دين، الى أن عينه ليوطي 1917 ضابط الاستعلامات العامة بتزنيت ، ثم منح رتبة قبطان عسكري بعد توسيع دائرة نفوده لتشمل منطقة ايت بعمران، واشتهر أثناء هذه الفترة بحل المشاكل والنزاعات مقابل تقديم المخطوطات النفيسة “كهدية”، من أجل فهمها ودراسة المجتمع الذي أنتجها تعلم اللسان الأمازيغي حتى لقب بالقبطان الشلح ودخل بذلك نادي الأنتروبولوجيين المستعربين. بقيت تلك الدراسات تُعتمد كمراجع في دراسات سوسيولوجيا المغرب الى اليوم، لدرجة أصبح كل مستشرق متخصص في مجال ما ، ومن أبرزهم بالاضافة الى جستنار: * ليفي بروفنسال: تخصص في نشر النصوص القديمة وهو مستعرب بارز، عمل مدة استاذ الدراسات العليا في الرباط * جاك بيرك: اهتم بدراسة البنيات الاجتماعية للقبائل المغربية. ومن بين النتائج التي توصل إليها، أنه لدراسة واقع القبيلة المغربية دراسة موضوعية لابد من ربطها بمحيطها الايكولوجي ووسطها البيئي. * روبير مونتاني: دراسة قبائل سوس ومؤلفه ” البربر والمخزن” * شارل دوفوكو: مؤلف كتاب « Reconnaissance du Maroc » الذي يعد نموذجا للمؤلفات الاستكشافية كان من نتائج هذه الدراسات أن وفرت لنا مجموعة من مراجع المستشرقين، لم يكن للمغاربة عهد بها ، تتحدث بلغة الأرقام والبيانات، دون أن ننسى البطاقات البريدية التي ظهرت لأول مرة في تاريخ المغرب بعدسة المصور مارسولان فلوندران Marcelin Flandrin الذي اشتغل ضمن الجيوش الفرنسية قبل الحماية، ودخل المغرب كمصور موثق بزي مدني، لم يترك مدينة مغربية واحدة خلفه الا وثق لها بعدسة التصوير، بفضله تمكنا اليوم من معرفة جانب على غاية من الأهمية التاريخية لمدينة تارودانت قبل قرن من الزمن خاصة النمط التجاري والجانب العمراني. انطلاقا من 1920، توزعت الأجهزة الإدارية للحماية الفرنسية بين إدارة مركزية وإقليمية ومحلية، فعلى رأس إدارة الحماية تقوم الإقامة العامة تمثل الجمهورية الفرنسية بالمغرب، والمقيم العام يسير المصالح الإدارية والعسكرية ويسن القوانين، إضافة إلى المديرين الذين يتولون رئاسة المديريات التقنية كالصحة، الفلاحة، الصناعة، البريد، والتعليم؛ والمديريات السياسية منها الداخلية تراقب السلط اقليميا ومحليا، والأمنية تراقب أمن الفرنسيين وأفكار المغاربة وتقمع المعارضين، ثم مديرية الشؤون الشريفة تراقب وظائف المخزن وتقدم القرارات للسلطان أو الصدر الأعظم؛ تسير الإدارة الإقليمية من طرف مراقبين مدنيين بالرباط والبيضاء ووجدة، وضباط الشؤون الأهلية بالمناطق العسكرية وهي فاس ومكناس ومراكش واكادير آخرهم العقيد فيرون Le colonel Ferrant. رغم الدراسات والابحات والاستكشافات كلها من صميم علم الاجتماع التي قامت بها فرنسا قبل ومطلع الحماية، لم تتمكن سلطات الاحتلال من بسط سيطرتها على المغرب وضبط الاهالي، فالتجأت لسياسة القواد الكبار لينوبوا عنها في المهمة، حيث خولتهم مطلق السلطة وبسطت لهم اليد الطويلة لضبط الاهالي بالنيابة، بل منحتهم صلاحية استخلاص جل الضرائب والمكوس، فأحدثوا لأنفسهم “ضريبة الفريضة” وعينوا أمناء الحرف والأسواق لاستخلاص مكوس المواد الغير الخاضعة للضرائب، لدرجة ان المغاربة عانوا الكثير جراء هذه السياسة أكثر مما عانوا من ويلات المحتل ذاته، نذكر على سبيل المثال أن الناس أصبحوا يخشون ترك حرث اراضيهم الزراعية فتسلب منهم بحكم انها مهملة، أو يحرثوها فيخضعوا لواجب ضريبة الترتيب اضافة الى واجب زكاة الشرع التي تدفع هي الاخرى لنفس الجهة، ونفس المقال عن بيع المواشي والغلل الفلاحية والمنتوجات الزراعية بالاسواق الاسبوعية حيث يتكلف بها أمناء الحرف لتحديد ثمن السوق وقبله المكوس تحت مراقبة الأعوان بأمر من خليفة الباشوات والقياد الكبار. كما تم احداث ” ضريبة الخوات” تفرض على بعض النواحي النائية والقبائل الجبلية الغير الخاضعة لسلطة القياد الكبار أو المعفيين من أداء ضريبة الترتيب المفروضة في المناطق الحضرية والتي عهد بالوصاية عليها للباشوات والقياد الكبار، هذه الضريبة يجبيها الباشوات والقياد الكبار بواسطة خلفائهم الذين يتلقوا الأمر ليكلفوا به أعوانهم من الشيوخ والمقدمين، كلما احتاج الباشوات والقياد الكبار جمع المال لشراء الهدايا للوفود التي يزورونها مركزيا أو العكس وهو الأفظع، الزيارات الوافدة عليهم محليا وما يتطلب ذلك من عدة وعتاد واستعداد لاقامة الولائم. ” فبمجرد تلقي الفلاح الفقير للاندار الذي يوجهه له محصل الضرائب، يكون مجبرا في الغالب على بيع دابته التي يستعملها في أشغاله الفلاحية ويتنقل عليها وينقل بها، وقد يكمل بأدوات عمله أيضا، فيمكن أن تصادف بمدخل المدن فلاحين في أسمال ـ دربالة ـ من الصوف مثقلين أسى يلوح للعيان، يجرون وراءهم رفاقهم في الشقاء من بغل ضامر أو حمار بعينين جاحظتين من فرط الهزال، يعرضونها مقابل بضع أوراق مالية يهرولون بها لشباك تحصيل الضرائب؛ بينما الباشوات والقياد الكبار وأعوانهم يحرثون المساحات الشاسعة ولا يصرحون سوى بنصف أو ثلث ذلك” . نأخذ كمثال ضريبة الفلاحة فهي لم تترك شيئا الا وأحصته ـ طبعا الواقفون على العمليةـ من حبوب الشعير والذرة البيضاء/البشنة والصفراء والقمح الأهلي/المحلي والأورباوي/الرطب، المسقي منه والبوري، ثم القطاني بكل اصنافها المعروفة من الفول والحمص والجلبنة واللوبيا ،،، حتى حبوب الحلبة والكمون والقزبور والحناء كآخر منتوج يمكن أن يتصور خضوعه للضريبة؛ أما بالنسبة للأشجار فتشمل الدالية الأورباوية والعربية/المحلية والنخيل ـ للتذكير بالرجوع الى الصور التاريخية لمارسولان فلوندران تارودانت المدينة ومحيطها كانت عبارة عن واحة/غابة نخيل ـ واللوز والليمون/اللتشين والرمان، وفي اخر ترتيب قائمة الأشجار نجد كلمة “والأشجار المختلفة” مما يفيد أن كل غصن أو عود يمكن اعتباره شجرة مثمرة وجب خضوعه لضريبة الترتيب التي يجبيها القواد والباشوات الكبار؛ أما عن الحيوانات فقد تصدر القائمة الجمال الكبار مما يفهم منه ويفيد قرينة أهميتها مند الأزل في الحياة عامة والأشغال الشاقة خاصة تجارة القوافل، وسجلت الجمال الكبار قبل الصغارremorque et semi-remorque، تليها الخيل التي تعتبر زينة المركب والتباهي صنفت بحسب الجنس ، أما البغال والحمير فقد سبقت في الترتيب التسلسلي البقر والبقرات والعجول ما يبين أهمية كل صنف حيواني ومردودية استغلاله في الحياة عامة، لتأتي في آخر ترتيب قائمة الحيوانات رفيقة الانسان ، أصناف بأهمية ضئيلة مما جعلها غير ذات قيمة جبائية في ذاك الزمن، وهي الحلاليف والغنم والمعز مادام القوت اليومي عند الأغلبية الساحقة لا يتجاوز شظف العيش. ونسجل أخيرا ملاحظة شكلية على أهميتها العملية، حيث سطرت خانتين: الأولى ما أعلم/صرح به الفلاح، الثانية ما وقفت عليه لجنة البحث فيما يخص الأشجار والحيوانات، بينما القائمة الثانية تشمل خانة ما صرح به الفلاح من مزروعات بورية وسقوية وما وقفت عليه حقيقة لجنة البحث، أي العدد المحقق وتحديد الفرق المعاقب عليه، ليبقى سؤال : هل هذه الاجراءات الجبائية تطبق على الجميع بما في ذلك الباشوات والقياد الكبار أم فقط مستضعفو داك الزمن فوق الأرض؟؟؟ numérisation0001 numérisation0002 numérisation0003 ثيقة

كل زمن ومغربنا بألف خير