حديث مع الصورة: المجاري المائية والتحولات الزمانية

آخر تحديث : الأحد 26 أبريل 2015 - 1:38 صباحًا
2015 04 26
2015 04 26

علي هرماس في عهد الدولة السعدية تعاظمت الملكية العقارية حتى صارت جميع الاراضي بتارودانت ملك للدولة ما عدا تلك التي ابتث اصحابها حيازتها بسند عدلي، أما الباقي ما بين باب الخميس وباب السلسلة تحت ساقية تافلاكت فسمي أراضي الحوطة تابعة لخزينة مال الدولة السعدية ، مصطلح الحوطة أورده الدكتور مصطفى بنعلة في مؤلفه تاريخ الأوقاف الإسلامية بالمغرب في عصر السعديين من خلال حوالات تارودانت وفاس ج 2 ص 158 ، اغلب الظن اسم الحوطة هو الذي تحرف بمرور الأيام وتعاقب الأزمان ليتحول منطوقه الى المحايطة ؛ وعن نفس الفترة التاريخية جاء في رسالة لابي زيد عبد الرحمن ابن الوقاد التلمساني قوله :” فان امير المؤمنين الشريف الحسني مولانا محمد الشيخ رضي الله عنه وأولاده أمراء المسلمين قالوا : ان أرض سوس على حكم بيت المال وباعوا بقعها لمن يريد شرائها وأدنوا للناس في احياء العيون والسواقي..” مند تاريخه تعتبر مياه السواقي بتارودانت مياه عمومية تستفيد منها جميع الأراضي الفلاحية المسقية بطريقة الغمر، حسب توزيع مياه الري و دورة السقي والمنطقة التي تغطيها كل ساقية بعد تفرعها الى مصاريف متوسطة وجداول صغيرة تنساب بين العرصات والبحيرات بالدور الرودانبة ، كما نجد في تاريخ سابق خصوصا إبان الفترة السعدية استغلال مياه السقي في شكل حيازة خاصة يتصرف فيه أصحاب الحق بالبيع أو الكراء أو الرهن أو الوقف الحبسي الكلي أو الجزئي الذي يحتسب بالليلة أو النهار على مدار الأسبوع أو النوبات المائية . ساقية تافلاكت : من أهم المجاري المائية الطبيعية حمولة جريان وطول امتداد بتارودانت ، تؤخذ من وادي سوس شرق تارودانت إزاء مكان يسمي فريجة ، يتموقع على علو 259 م عن سطح البحر، وتسير الساقية اتجاه المدينة حيث تخترق سور المدينة من جهة الشمال عند مشارف باب الخميس، بعد أن تقطع بساتينها الداخلية تغادرها من الشمال الغربي جوار باب اولاد بنونة ، فتستمر محاذية الوادي الواعر الى دوار الطالعة بمنطقة الكلالشة فيكون طولها حوالي 20 كلم . هذه هي الساقية الكبيرة التي شاهدها بتارودانت الرحالون والمؤرخون ووصفوها أوصافا ظلت تحتفظ بها الى نهاية عقد الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي، .قال عنها ابن عدارى الذي عاش في أواخر العصر الموحدي : ” وشاهد الناس وصفا حفيلا وبلدا خصيبا ، ذلكم أن ساقية كبيرة ارتفعت من وادي سوس الى تارودانت وعليها العمارة والسكنى والرياضات وكل دار بإزائها رياض، وفيها من الأشجار أنواع واتصل هذا المجموع بعضه ببعض في بسيط معتدل الهواء فسيح الأرجاء ” ..سقاية مسجد مجمع الأحباب وفي وقت لاحق لعله من الفترة السعدية ثم تمديد هذه الساقية حتى عبرت الوادي الوعر في منطقة الكلالشا وذلك بواسطة قناة محمولة فوق أقواس محكمة البناء متينة الإتقان لتمديد جريان المياه الى الضفة الاخرى حيث رفعت مسلات الساقية وسط وادي اختص باسم الواعر ما يفيدنا بعظمة الهندسة المعمارية في العصر السعدي وما ذاك فقط سوى نموذج من بين عدة آثار لازالت قائمة شاهدت التاريخ بتارودانت. ومنها أخذ مصرف مائي نحو الجنوب ليغدي السقاية التاريخية للمسجد الجامع الجديد / أم الأحباب. اشتقت ساقية تافلاكت من اسم احد الاشخاص ، فقد ورد اسم الفلاكي وهو اندلسي يشار اليه احيانا بالعلج وكان قائد الجيش المرابطي الذي تصدى لهجمات الموحدين على تارودانت ومنطقة سوس حسب ما ذهب اليه أستاذ الاجتماعيات علي زكي المجاطي في كتاب تارودانت حاضرة سوس ص 66 ضمن أعمال الأيام الدراسية بجامعة ابن زهر باكادير ابريل 1988 ؛ كما ذكر لي المرحوم الحاج عبد الرحمان الكجبوط أن تهيئة مجراها بالاسمنت تم ابان فترة الحماية الفرنسية ما بين سنة 1939 و 1941 وقد أدى أشغال شاقة كواجب إجباري في بناءها وهو نظام الكلفة أو خيارا هو الذي عرف بالسخرة أي أن كل كانون/عائلة ملزمة بتكليف شخص ينوب عنها بمقابل ، ولا يقبل التدرع بعجز الشيخوخة الصحية أو الإعاقة البدنية أو المرض الملزم للفراش ، ومما يوضح ضخامة صبيب هذا المجرى سابقا خصوصا أواخر فصل الخريف وفصل الشتاء وخطورته عند وصوله مشارف المدينة ، أنه ثم إحداث أبواب كبيرة عند المنبع لتصريف فائض المياه خلال هذه الفترة السنوية ، حيث تفتح مباشرة في مجرى نهر سوس . ساقية تاملالت : تؤخذ هي الأخرى من نهر سوس جنوب منطقة اولاد عرفة شرق المدينة عند نقطة ارتفاع 250 م عن سطح البحر، وتستمر موازية لتافلاكت من الجنوب جوار سور القصبة وتمر تحت الأرض في الشارع جنب مدرسة عبد الله بن ياسين باتجاه تبحرين/الخيرية، الى أحد أقدم الأحياء هو نقطة المركز الجغرافي بالمدينة يسمى “تاركا نتملالت ” كما يسمى أحد الأحياء يتموقع بين الساقيتين ” أكافي ” وهو مصطلح أمازيغي يفيد مفترق توزيع مياه الساقية الكبيرة الى مصاريف متوسطة وجداول صغيرة بحسب طلب التزود، ومنها يؤخذ مصرف الى السقاية السعدية للمسجد الجامع سيدي سيدي، ومن جوار سور القصبة السلطانية عبر الأجنات بالبلاليع الى سقاية الجامع الكبير ، كما سجل بالحوالة الحبسية للفترة السعدية، قبل أن تخرج ساقية تاملالت من غرب المدينة / السور شمال باب ترغونت تستمر في اتجاه الغرب نحو منطقة الكلالشا . مطلع القرن العشرين بعد رجوع الباشا حيدة ميس من مراكش عقب رحلة تعضيد الشيخ أحمد الهيبة ، وسع نفوده من منطقة المنابهة واستولى على تارودانت التي كانت تحت سيطرة الباشا محمد بن علي الكابا صاحب دار البارود، وشيد حيدة قصره الجديد بحومة القصبة السلطانية – فندق قصر السلام حاليا – واحتياطا لدواعي أمنية وظروف حربية ونحن نتحدث عن فترة زمنية اصطلح عليها ” أيام السيبة ” تم حفر خندق عرضه يضاهي عمقه مرتين ، ليحوّل اليه جزء من الحمولة المائية لساقية تملالت بهدف صد الهجومات الحربية والغارات الانتقامية أو عرقلتها على الأقل، وهو ما ذهب اليه قبل هذا واضع أسس علم الإجتماع المؤرخ ابن خلدون الذي عاش في فترة الدولة المرينية ، يقول في كتابه “مقدمة ابن خلدون” الباب الرابع الفصل الخامس صفحة 220 يصف عمران دوي السلطان: “فأما الحماية من المضار يراعى لها أن يدار على منازلها جميعا سياج السوار، وأن يكون وضع ذلك في متمنع من الأمكنة إما على هضبة متوعرة من الجبل، وإما باستدارة بحر أو نهر حتى لا يوصل اليها إلا بعد العبور على جسر أو قنطرة، فيصعب منالها على العدو ويتضاعف امتناعها وحصنها” ساقية تارغونت : تشق مجراها الى الجنوب من مجرى تاملالت وتؤخذ من نهر سوس عند نقطة ارتفاع 239 م فوق سطح البحر بالمكان المسمى ” بولبارود” تم تتجه غربا دون أن تخترق سور تارودانت بل تنساب بضع مائة أمتار معدودة جنوبا خارج باب الزرقان ، حيث تسقي منطقة بويفركان وما قبله وأبي القفة / بوتريالت البرانية حتى منطقة الزيدانية فينحرف اتجاهها شمالي غربي لتتوحد مع تاملالت وتافلاكت، يشار أن اسم العلم هذا يحمله أيضا أحد أبواب تارودانت الخمسة مما يفيد قرينة التواجد الزمني للمجرى المائي قبل الموقع المكاني. ساقية تافوكت : مصطلح أمازيغي هو الأخر يعني الشمس تؤخذ من نفس منبع ساقية تارغونت وتشق مجراها جنوبها فتخترق منطقة اولاد الحلوف / غزال ودوار الصهريج وتنتهي حيث انتهت جميع السواقي. علاقة بالسواقي والماء باعتباره منبع الحياة ، اشتهرت تارودانت مند القدم بغرس انواع مختلفة من الأشجار المثمرة، فالجغرافيون القدماء لاحظوا أن منطقة سوس كانت بستانا فسيحا به مختلف أنواع الأصناف الموسمية والفصول الزراعية ومن هذه المنتجات المسجلة التين واللوز والجوز والتمر والإجاص والرمان والعنب، بالإضافة طبعا الى الشجرة المباركة الزيتون ، ورد هذا الوصف وتسمية الغلات في بعض العقود العدلية التي تؤرخ للفترة السعدية بتارودانت سنوات 980هـ و 1008هـ و 1066هـ وتؤكد على انتشار هذه المنتوجات في أملاك الأحباس بكثرة . لذا فقد اهتم سكان تارودانت مند تاريخ الدولة السعدية على الخصوص بشق المصاريف المائية على اهم السواقي الكبرى بتارودانت، لهذا أحدثت حواجز تلية على نهر سوس شرق المدينة لتحويل قسط مهم من الجريان الطبيعي وقت الفيضان، ثم شق العيون المائية من اجل الاستغلال الامثل للموارد المائية المتاحة ويظهر بعضا من هذا مند زمن السعديين الذين رفعوا الاسوار العريضة والقناطر المتينة ومدوا فوقهما المجاري المائية لجلب السيل حيثما وجد لدوران الرحي المائية بمعاصر السكر. الرحي المائية وهي الفكرة والتقنية التي استمرت بتارودانت الى عهود مناخرة من اجل طحن الحبوب الزراعية لإنتاج الدقيق ، وكانت أخر مطحنة مائية بتارودانت الى حدود عقد الستينات فوق ساقية تارغونت عند مدخل طريق بيفركان والمكان المسمى الى اليوم ” فم الرحى ” .. للتذكير فنموذج الرحي المائية كان معروفا بتارودانت مند عهد الدولة المرابطية بتارودانت إنما في عهد دولة السعديين ثم تطوير التقنية البدائية ومحدودية استخدامها لتصبح هندسة صناعية واعدة مع معاصر السكر. اما عن السواقي بتارودانت فقد وردت اسماء بعضها في المحررات السعدية التي ترجع لخمسة قرون خلت ، نذكر بالتحديد ساقية تفلقت – نقطة تحت حرف الفاء ومثلها فوق القاف – في ثلاث ظهائر سلطانية 965هـ و 982هـ و 992هـ و4 شهادات عدلية ، ثم اسم ساقية تملالت في ظهير واحد لمحمد الشيخ السعدي 965هـ ومحررين و شهادة عدلية ، اخيرا ساقية ترغونت في شهادة حبسية 983هـ ومحرر نوبة مائية 1007هـ ، لنصل في الأخير الى استنتاج أن أقدم وأعظم مجرى مائي بتارودانت وهو تقلاكت يرجع تاريخه بوثيقة عدلية الى 4 قرون و7 عقود على الأقل، كما أنها تعد حدود طبيعية، وفي فترة الاحتلال بعد اعادة هيكلتها بالاسمنت اعتمدت إحداثيات طبوغرافية ثابتة في التحفيظ العقاري . للأسف الشديد جيل روداني بأكمله من دون ادنى شك يتحسر اليوم على مآلها بعد موجة الجفاف التي ضربت المنطقة ابتداء من 1980 وبداية تراجع الصبيب والجريان المائي بشكل ملحوظ ، ولكل واحد مع ساقية تافلاكت ذكريات يومية زمن الطفولة في تعلم السباحة خلال العطلة الصيفية التي تمتد ثلاثة أشهر ، حيث يتوافد على سقاية تفلاكت الأطفال واليافعون بل حتى الشباب ، كل حومة أو درب ومجموعتهم ومنطقة سباحتهم ، إما ب” بخباخ” أولاد بنونة أو باب الخميس عند النقطة التي تخترق السور أو قرب المقبرة بالساحة هناك أو المحايطة/السنسلة وربما أبعد من ذلك بالنسبة للمغامرين في اتجاه منطقة اولاد عرفة ، لتقتصر السباحة والمرح الطفولي مع انطلاق الموسم الدراسي شهر اكتوبر على يوم الأحد فقط وعند العودة مساء تتخذ كافة الاحتياطات أن لا يصادفنا في الطريق معلم المدرسة وتكون العقوبة البدنية صباح الإثنين . وارتباطا بالتوسع العمراني الذي عرفته المدينة وؤخرا داخل وخارج حزام السور تم “مواراة” مقاطع من ساقية تفلاكت لتستريح الى الأبد بعدم عمر مديد تجاوز أربعة قرون، توقف بها شريان الحياة ، وانقطعت الدورة المائية ، وجفت العين الفياضة ، وتغيرت الوضعية من حال الى حال حيث أصبح المجرى مطرحا للنفايات المنزلية ، ونقطة تجمع لكل ما تأتي به الريح من أزبال، ولم يكن بد من تغطيتها بعدما كانت تخترق العرصات والبحيرات أحاطت بها التجمعات السكنية. هذه نظرة تاريخية اما من زاوية جغرافية فيقول الدكتور عثمان هناكا في كتاب ” تارودانت واولاد تايمة قطبين حضريين بسوس” ط 1995 ، المؤلف هو في جزء منه دراسة جغرافية شاملة لتارودانت ومحيطها على مدى عقدين قبل وبعد موجة الجفاف يقول: 14.8% من الملاكين يملكون 65.5% من الأراضي، بينما 85.2% من الفلاحين يقتسمون 34.6% من الأراضي، زراعة البرسيم ” الفصى ” كانت تغطي في 1970 مساحة 313 هكتار لتتراجع سنة 1982 الى 91.4 هكتار أي 10%من مجموع المساحة الزراعية الى 5% ، هذا التراجع لم يمر دون التأثير سلبا بشكل ملحوظ على فلاحة مرتبطة بها ، هي تربية المواشي التي كانت لها حظائرها الخاصة، و الأمكنة لازالت تحمل الاسم الى اليوم، هي زرايب اولاد بنونة و زرايب باب الخميس ، بل على طرف خارجي من الدور السكنية داخل المدينة ، حيث تجمع الأبقار باكرا وتسلم رواحا ببراح / مراح البقر في حومة مجمع الأحباب ، تراجع مساحة البرسيم كان لها أثرها على قطيع المواشي خاصة صنف الأبقار. 1970 كان بتارودانت 22210 نسمة سكانية تربي 3700 راس بقر و13000 راس غنم، في 1982 بداية الجفاف وتراجع مياه السواقي مع ارتفاع النسمة السكانية الى 35759، انخفض عدد الرؤوس الى 2633 بقر و 8142 غنم، ليمتد الأثر السلبي من الحيوان إلى الإنسان، في عقد السبعينات كانت العائلات الرودانية يوم الجمعة بالخصوص لا تحمل همّ البحث عن اللبن المخيض الصافي البياض الجيد المذاق ليرافق مائدة الغذاء ووجبة الكسكس في قصعة الطين لأن اللبن يوزع هدية بين الجيران، بعد الجفاف رفعت قصعة الطين العريضة وحل مكانها صحن الودع أو المعدن بالكاد يتسع لتناوب الملاعق صعودا هبوطا عوض لقمات الأيادي ، ثم “الزلايف دركت وجهها والقدور قلبت على فمها ” وحلت مكانهما كؤوس الماء. 1982 بلغ عدد أشجار الزيتون 118300 جدر حسب احصاء المديرية الإقليمية للفلاحة ، بكثافة تصل الى 40 جدر في الهكتار، داخل السور كانت أفدنة الزيتون تغطي سنة 1970 80% من مساحة المدينة لتتراجع 1982 الى 49% ، ويعزى هذا تراجع و اندثار الحقول والبساتين الى موجة الجفاف وما ترتب عنها من تراجع صبيب السواقي السالفة الذكر ليزحف العمران على المجال الأخضر حتى ضاقت الأرض بما رحبت بأهل تارودانت. في 1960 جل حقول الزيتون بأحواز تارودانت كان في ملكية الطائفة اليهودية الرودانية، ويدخلون في شراكات تجارية مع المسلمين الرودانيين الذين يملكون المعاصر التقليدية بمدخل كل من باب ترغونت وباب الخميس وباب الزرقان، الأخير يضم لوحده 11 معصرة، ومجموعها 44 معصرة 1978 ، منها تلك التي تشتغل ب 2 رحي ، ليتراجع العدد 1983 الى 7 معاصر بسبب جفاف السواقي المائية، والله جعل من الماء كل شيء حي. كل زمن وحياة تارودانت بألف خير

Photo 030657 photo4 1930

تصميم تصميم3  A (3)