حديث مع الصورة : المعهد الاسلامي بتارودانت قبس من نور الى جدوة نار

آخر تحديث : الأحد 5 أبريل 2015 - 12:38 صباحًا
2015 04 05
2015 04 05

علي هرماس في ندوة امام حشد من ضباط الشؤون الاهلية سنة 1920 قال مدير التعليم الفرنسي مسيو جون هاردي Jean Hardis: ان القوة تبني الامبراطوريات، ولكنها ليست هي التي تضمن لها الاستمرار، وان الرؤوس تنحني أمام المدافع ، في حين تظل القلوب تتغدى بالحقد والرغبة في الانتقام ،،، ثم أضاف أن اللغة الفرنسية هي أساس التعليم بالمغرب وبواسطتها سنتمكن من ربط تلاميذنا بفرنسا ودراسة التاريخ ستمنحهم فكرة عن عظمة فرنسا” ، لا نحتاج لتفكيك مضمون مقتطف هذا الخطاب من أجل تحديد هوية التلاميذ المراد ربطهم تربويا ومعرفيا ووجدانيا بفرنسا ، عينة منهم بحكم اصولهم الاجتماعية وانتمائهم الطبقي وبتأهيلهم الثقافي الفرنسي المتقدم تمكنوا لاحقا من أخذ مواقع الصدارة في الإدارة المغربية والتوجيه الاقتصادي والسياسي في الدولة الناشئة ، الى جانبهم نجد الفئة الوطنية التي كانت تشكل كثلة فتية ذات أصول من الشرائح الاجتماعية الشعبية بحكم موقعها البسيط، كانت تعمل جاهدة على مستويين: الاول التحصيل العلمي وبناء الشخصية الذاتية بمرجعية عربية، وعلى مستوى ثاني تكافح بكل ما أوتيت وراء التحرر من الاحتلال حسب فهمها لمعنى الاستقلال : بناء الوطن يبدأ أولا ببناء ساكنه من خلال الشحنة الروحية كفكر تربوي يملأ وجدانه ويشحذ ضميره واحساسه الداخلي. بصيغة أخرى كان البعض من بني جلدتنا المواظبون على حمل طربوش الوطنية الأحمر فوق الرأس أثناء لقاءاتهم بقادة سلطات الاحتلال، لا يترددون في خلع الطربوش لكشف الرأس على حقيقته وليس شكله، عدد منهم طالما خطبوا في الجماهير الشعبية بضرورة ربط التعليم بالتعريب لدرجة جعلوا منه مطلبا وطنيا وإجماعا شعبيا وسطروه في المرتبة الثانية بعد مطلب الاستقلال ، لكن قناعتهم الشخصية أن تعليم أبنائهم بمدارس البعثة الفرنسية وجلوسهم في المقعد جنب أبناء المعمرين أكثر نفعا وأجدر تعليما وتعلما من اتخاذهم توجه ممغرب نصف معرب ، اعتقادا منهم أن تأمين مستقبل أبنائهم يمر عبر مدخل فرنستهم لغة وثقافة ونظام حياة، وكذلك كان !!! ففي سنة 1955 لم تكن نسبة الأطفال الممدرسين تتجاوز 15% مقابل 4% سنة 1945، وكانت أعداد تلاميذ الإعداديات والثانويات في السنة نفسها تبلغ 5832 تلميذا مقابل 753 سنة 1945، أما عدد الطلبة فلا يتجاوز 300، كان جلهم مسجلا في فرنسا بسبب غياب المؤسسات الجامعية على أرض الوطن ، ولم تقم الحماية طيلة أربعين سنة من تكوين سوى 1415 تلميذ حاصل على شهادة الباكالوريا موزعين بين 640 مسلما مقابل 775 يهوديا. في خضم هذه المعطيات والرؤى والتقاطب الفكري برزت للوجود مجموعة من التجار السوسيين يتواجدون بعدد من المدن المغربية نسجوا علاقات شخصية بمجموعة ثانية متشبعة بالفكر السلفي عن دراسة وممارسة، يربط بينهم الانتماء القطري والغيرة على الوطن ، تقدمت المجموعة سنة 1950 بملتمس الى السلطان محمد بن يوسف لبناء مؤسسة تعليمية عصرية بمرجعية إسلامية كتجديد لهيكلة ونظام الدراسة المعمول به في المدارس العتيقة بالقطر السوسي مند قرون ، بقية الفكرة تراوح مكانها ردحا من الزمن بسبب ظروف الاحتلال، وما إن هلّ فجر الاستقلال حتى انطلق المشروع على واجهتين بعد الكلمة التوجيهية التي زود بها السلطان المجموعة، انطلقت الدروس برحاب المسجد الجامع الكبير بعد المحاضرة/العرض الذي ألقاه وزير الأوقاف المختار السوسي ومناقشة موسعة دامت يومي 14و15 شتنبر 1956 ، لم يغب عنها بعض الرموز الوطنية قدماء اليوسفيين كمحمد البصري/الفقيه ومحمد بن سعيد الشتوكي/ايت ايدر وعبد الرحمان اليوسفي وممثل اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال الفقيه الغازي ومحمد العمراني مبعوث الوزارة الوصية ،،، في هذه المناسبة ثم فتح باب المساهمات لفائدة مشروع بناء المعهد الإسلامي بتارودانت. بعد المساهمة العينية ببقعتين أرضيتين بجنان أقنيس، تمت معاوضتهما بفدان جنان جامع مكان المعهد الحالي لقربه من المسجد الجامع الكبير من المدخل الخلفي بدرب السقاية، ثم المساهمة المالية التي افتتح بها السلطان الإكتتاب مبلغها 2 مليون سنتيم أثناء استقبال الوفد بالقصر الملكي بالرباط يوم الجمعة 19 محرم 1376 هـ الموافق 27 غشت 1956؛ توالت في اليوم الموالي لدرس الافتتاح المساهمات النقدية الهامة بهبة وزير الأوقاف المحاضر وعامل إقليم اكادير الصفريوي وباقي باشوات وقواد سوس الجنوبي والأوسط والأعلى، وهبات أخرى من السوسيين خارج المنطقة ليصل المبلغ 50 مليون سنتيم سنة 1956 ، وانطلقت في الحين أشغال التشييد مع تأجيل مناسبة احتفال وضع الحجر الأساس من طرف السلطان عامين وثمانية اشهر، لأن التعجيل ببناء الوطن وإعداد المواطن اعتبر من بناء الاستقلال، في هذه الزيارة السلطانية أعد قوس النصر الروداني موضوع المدونة السابقة. ما يمكن تسجيله بخصوص المساهمات النقدية التي جمعت مباشرة بعد الدرس الافتتاحي، هو أهمية الهبات التي تبرع بها القواد والباشوات جلهم ضباط المقاومة زمن الاحتلال الذين عينوا مباشرة بعد الاستقلال، نظرا للفراغ الكبير الحاصل في الأطر الوطنية المدربة إداريا على التنظيم والكفؤة في التسيير. كان أول المتبرعين الصفريوي عامل اقليم اكادير تبعه جميع قواد سوس ما بين مثلث أولوز،أركانة وبويزكارن، منهم من ساهم ثلاث أضعاف مساهمة العامل، لأن المساهمة محكومة بدرجة التشبع بالمبادئ الوطنية الصادقة، ومدى قناعة المتبرع من أجل بناء الاستقلال/الوطن، الى جانب هؤلاء سُجل للتاريخ كون البعض تعهد أمام الحضور في الدرس الافتتاحي بالمساهمة في بناء المعهد الاسلامي بتارودانت ولم يفي بوعده وتعهده، منهم الراعي السياسي للمرجعية الوطنية حزب الاستقلال في شخص ممثل اللجنة التنفيذية وبعض القواد. في سياق آخر أعطى دفعة قوية منشور الجنرال ادريس بنعيسى، وهو ثاني عامل على اقليم اكادير خلفا للصفريوي، منشور مؤرخ في 4 مارس 1957 عدد1090/د دو طابع اداري مختوم سري موجه الى كافة القواد بالإقليم ” لجمع الأعشار والاهتمام كل الاهتمام بها الى حين دفعها للمعهد العلمي بتارودانت” ، وهو عُرْف عمل سوسي محض جرت عليه الشعيرة المفروضة والعادة المحمودة من أجل إيصالها لمستحقيها، حيث تجمع الزكوات لدعم المدارس العتيقة التي تجاوز عددها 200 مدرسة بربوع سوس، رفعا عن طلبتها الأفاقين كلفة تدبر مؤونة العيش ليفرغوا للتحصيل المعرفي الأدبي والعلمي الشرعي، وقد ازدادت الحاجة الى جمع الأعشار وأهميتها كمورد مالي والبحث عن مصادر أخرى في هذه الفترة بالذات، بعدما التزمت جمعية علماء سوس باعتبارها مسؤولة أمام وزارة التهذيب الوطني والفنون الجميلة بتحمل نفقات التسيير وأداء أجور الأطر ومستحقات جميع العاملين والتزمت بذلك وفتح لأجله حساب بنكي سنة 1956 في “المصرف العقاري الجزائري التونسي” وهو أول مؤسسة بنكية بتارودانت. مباشرة بعد الاستقلال شهد المغرب فراغا كبيرا وخصاصا في الأطر المتعلمة والمدربة، لذلك عُين عدد من الوطنيين ورجال المقاومة في اسلاك الوظيفة العمومية، وكل من يعرف القراءة والكتابة ويثقن الحساب، هكذا رشحت هيئة المقاومة المغربية المرحوم عمر المتوكل الساحلي لمنصب قائد بتحناوت نواحي مراكش، وفي نفس الوقت رشحه شيخه المختار السوسي وهو وزير للأوقاف لمنصب قاضي بانزكان، وقد شكلت لجنة ثلاثية من هيئة المقاومة وحزب الاستقلال والقصر خول لها أمر الفصل والبث في التعيينات، لكن المرحوم عمر الساحلي رفض المنصب الاول، واعتذر بلباقة عن الترشيح الثاني ليضع نصب عينيه المعهد الاسلامي أي مهنة التعليم، لذلك اسندت اليه مهمة إدارة المعهد تحت إشراف جمعية علماء سوس لكونه أحد مؤسسيها شهر ابريل1953 . بعد مدة يسيرة وعلى خلفية ظروف وطنية وسياسية استثنائية عُين محمد المكي الناصري عامل على اقليم أكادير، كان توجهه الاداري مختلفا تماما عن سلفيه الصفريوي وبنعيسى، بل بعض مواقفه التي احتفظ له بها التاريخ المروي محليا ولم يسجلها عليه رسميا إزاء المعهد الاسلامي وجمعية علماء سوس ، تبقى غير مفهومة وهو العامل العالم الذي تتلمذ علي يد خيرة وصفوة فقهاء المغرب ، لما صرح أمام وفد يمثل المكتب الاداري لجمعية علماء سوس بعد استقبالهم بمقر العمالة تلبية لدعوة منه، أن مهمته بالإقليم قصيرة ومحددة، ليصل الى خلفية الدعوة، ذلك أن الاجتماع لم يخل من تهديد لجمعية علماء سوس ووعيد موجه مباشرة لعنصرين من الحاضرين أمين الجمعية ومدير المعهد. بعد أيام كان أول قرار اتخذه العامل العالم توقيف جمع الأعشار باسم جمعية علماء سوس وتحويل العملية لتشرف عليها العمالة، ثم قام بزيارة مفاجأة لمقر المعهد وجال في كافة مرافقه حيث حضر تجربة علمية لتفاعل كميائي بالمختبر نتج عنها تفرقع بسيط ، وبمجرد عودته الى اكادير حرر تقريرا في الموضوع الى جهة مركزية شبه فيه المعهد الإسلامي بتارودانت بقلعة الموحدين وأنه تحول الى ثكنة عسكرية. أما النقطة التي أفاضت الكأس ووضعت الجمعية المسيرة للمعهد في موقف حرج، أبانت من خلاله توالي الأحداث واللطمات منهم العلماء أصحاب المواقف البطولية كعادتهم وذووا المواقف المتدبدبة بل المتخاذلة، هي لما ترشح مدير المعهد الى الانتخابات البرلمانية سنة 1963 باسم الاتحاد الوطني المعارض وليس حزب الاستقلال ولا الحزب الفتي جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية FDIC، حينها اشتد حنق العامل العالم على جمعية علماء سوس فاستدعاهم من جديد ليسمعهم كيلا من التهديد والوعيد، قبل أن يختم أن عليهم تعيين مدير جديد لإدارة المعهد وإلا أخذ المبادرة وعيّن من يشاء، ما اضطر أعضاء الجمعية لعقد اجتماع طارئ قصد مناقشة الموضوع من جديد، خلاله امتنع واعترض الأمين على الترشيحين ، معللا موقفه أن جمعية علماء سوس يجب أن تنأى بنفسها عن السياسة وتبتعد عن الانتخابات، فما كان من أحد العالمين المرشحين إلا أن سحب ترشيحه، بينما مدير المعهد تمسك بقراره معتبرا أن أمر الترشح للإنتخابات البرلمانية حسم في اجتماع سابق بين الأعضاء ولا يوجد مبرر للتراجع عنه لكونه التزام ووفاء لمبادئ الجمعية ، وأن قناعته الشخصية مند زمن الحماية تأبى عليه، لا رهبة ولا رغبة، الرضوخ للضغوطات السياسية من أجل تقديم تنازلات حزبية. يقابل هذا الموقف تنازل المرشح الثاني الذي اعتبر رضوخا لسلطة العامل العالم وتكون جمعية علماء سوس بذلك قد تنازلت عن روح المادة الثالثة من قانونها الأساسي الذي ينص على : “الوفاء للعهود الوطنية العليا في أوسع معانيها ومصالح الوطن والعمل لصالح البلاد والعباد بإيقاظ الضمائر وبث الوعي في صفوف الشعب” ولم يكتف البعض بهذه المواقف المنبطحة بل سافر وفد من مجلسها الاداري الى الرباط ليتبرأ من المدير، ظنا منهم أن الأمور ستتوقف عند هذا الحد، لكن الأيام ابانت أن ذلك كان مجرد بداية تطويق المد الفكري والإشعاع الثقافي والاستقطاب الطلابي ومحاربة المعهد الاسلامي بتارودانت بكل الوسائل وشتى الطرق. في الجزء الأول من كتاب الإلغيات لمحمد المختار السوسي وهو شيخ عمر المتوكل الساحلي رحمة الله عليهما، ذكر أنه زمن الحركة الوطنية التي تناضل من أجل المطالبة بالاستقلال والحرية والكرامة في مراكش، عانى كثيرا من بعض أصناف الفقهاء والعلماء المتخاذلين المنهومين بالجاه والرتب، لنختم بالقول أن تلك سنة الله في خلقه لا يخلو منها مكان ولا زمان حيث نجد فقهاء القرآن وفقهاء السلطان، هؤلاء يتحفظون مخافة الزلل عوَجا وأولئك مهمتهم تيسير الفتوى مخرجا. قبس من نور الى جدوة نار، عنوان فرعي لفكرة ذات بعد قومي قبل تغييرها باسم رمز وطني، القبس هو شُعلةٌ من نار تُؤخذ على طرف عودٍ أو قضيبٍ من الشَّمع للإنارة، وهي الاستعارة التشبيهية التي لعبها معهد محمد الخامس بتارودانت مند تنظيم أول درس افتتاحي ألقاه العالم الأديب المختار السوسي بالمسجد الجامع الكبير، بل قبل ذلك بست سنوات انطلاقا من آمال وحلم اليقظة سنة 1950 للمجموعة الصغيرة صاحبة الفكرة ، أما الجدوة فهي كلُّ مقطع ملتهب وتطلق غالبا على الجمرة ، وهي كناية عن توجس تلك الفئة السياسية “المفرنسة” ومن سار على نهجهم ومن والاهم من أصحاب القرار الاداري من بعدهم، الذين عملوا كل ما في وسعهم جاهدين بغية محاصرة المعهد الاسلامي بتارودانت ومحاربته بشتى الأشكال لإفشاله في محاولة لاستئصال امتداداته الفكرية السوسية وجدوره الروحية الاسلامية ومرابطه الوطنية العربية ؛ هكذا بدأت أولى مراحل مؤسسة تربوية تعليمية بتارودانت حاضرة سوس العالمة أراد لها أصحابها أن تكون بمرجعية نابعة من الهوية القومية العربية الاسلامية تشخص نموذج عصري لما هو معمول به في القطر السوسي بالمدارس العتيقة، لكن الفئة “المفرنسة” التي كانت تمسك بزمام القرار تعي تمام الوعي حزم وعزيمة السوسيين ، لذلك وجب عرقلة الطريق أمام مشروعهم التعلمي وهدفهم التربوي.

1er Prix (10) numérisation0001 numérisation0002 numérisation0003كل زمن وتعليمنا المغربي بألف خير