حديث مع الصورة : ذكريات تاريخية من خلال لقطة عادية

آخر تحديث : الثلاثاء 13 يناير 2015 - 6:53 مساءً
2015 01 13
2015 01 13

دنيا بريس/ علي هرماس

اسمه البربوشي موسى بن شعبان كان يشتغل راعي الابل، وهي التسمية الشائعة عامة، أما التسمية المتداولة في بعض القبائل الصحراوية كأيت اوسى ناحية المحبس على الحدود المغربية الجزائرية  شرق كلميم، وفي قبيلة أزوافيط الى الجنوب منها، لا يسمى راعي الابل بل  يدعى بالحسانية ركاب ـ كاف معقودة ـ REGAB لأن الإبل تراقب عن بعد ولا تراعى مثل باقي قطعان المواشي، الأخيرة يجب حراستها عن قرب تفاديا لشرود بعضها وتوجيهها على الدوام الى الكلأ، أما قطيع الإبل فبالفطرة يعرف تمام المعرفة كلأه الشوكي على الخصوص، والحديث هنا عن القطيع بالمناطق الصحراوية الذي يرعى فيها على شجر الطلح وبعض الشجيرات الشوكية ، لهذا فمهمة الركاب/الراعي تكمن في المراقبة عن بعد، والابل بطبعها  ترعى مجتمعة غير شاردة ولا قاصية وتميل للكلأ المعلق كالشجر بدل العشب فوق الأرض، حتى أضحى الجمل بهذا مضرب المثل فيقال لصاحب الحظ السعيد” فلان مثل الجمل يأخذ اللقمة من الأرض ويأكلها في السماء”

  صاحب القطيع هو الشريف الحاجي ماء العينين بن الحاج محمد فال أحد أقطاب المقاومة الصحراوية المغربية ، يعد من الأتباع المقربين للشيخ أحمد الهيبة بن الشيخ ماء العينين وشقيقه مربيه ربه ، جاهد بالصحراء ضد الاحتلال الاسباني مما جعل السلطات الاسبانية تطارده في عمق الصحراء وفيافي القفار، بعد اعلان الشيخ الهيبة الجهاد ضد السلطات الاستعمارية الفرنسية مطلع القرن العشرين حيث رافقه الحاجي ماء العينين، في تلك المرحلة  قرر الأخير الاستقرار بتارودانت شمال المدينة بمنطقة لاسطاح، حيث المرعى على مد البصر والكلأ طوال العام نتيجة وفرة المطر، فطاب المقام وقرر الإستقرار، هناك أسس بلاسطاح زاوية طرقية والتف حوله لفيف من العرب من أصول قبائل صحراوية … لهذا السبب عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية،  شرعت  سلطات الحماية الفرنسية بالمغرب في عملية شاملة لتحديد الأملاك وطبيعتها العقارية بالمغرب ، آنداك سميت أرض لاسطاح  “بورة العرب” مساحتها  تفوق 3000 هكتار،  وصنفتها ضمن أراضي الدولة ” لادومين”,  ربط بعد ذلك المقام الحاجي ماء العينين اتصالاته بخلايا السابقين الأولين من المقاومين والأنصار بتارودانت منهم المقاوم محمد هرماس الروداني ، هذا الأخير مكن الشريف الحاجي في لحظة عصيبة من ناحية نشاطه السياسي لكونه متابع في حالة فرار وحرجة ناحية تبعاته العائلية، حيث  أعاره سكن عائلي مبني باللبن الطيني بحومة درب الأندلس وبه رزق المقاوم الصحراوي الحاجي ماء العينين باكورة زينة الحياة الدنيا سماه رشيد وهو الإبن البكر، عمل بالمحكمة الابتدائية لاحقا، عرف داخلها باسم الحاج، رواية شفوية منه شخصيا.

 كون المقاوم الحاجي ماء العينين قطيع إبل قوامه يفوق 200 رأس ، تعاقب على تعهده بالرعي والمراقبة عدد من”الركابة” يتم جلبهم من عمق الصحراء الافريقية وهم أطفال في سن يافعة خاصة موريتانيا ومالي والسينغال ، لكن الشريف الحاجي ماء العينين  من جانب ديني وباب انساني مع مرور الزمن وهم يشبون تحت رعايته، لا يتردد كي يعيد لهم كرامتهم الانسانية التي سلبت منهم في موطن ولادتهم ، رغم أن ذلك الوضع كان يعتبر ثقافة تحدد المكانة الاجتماعية للشخص المالك بالقدر الذي يتملك من مختلف المتاع، بقيت تلك العادة مستمرة بداخل المغرب أيضا الى حدود العقد الأول من القرن الماضي وهو ما تثبته  الصور التاريخية وبعض العقود العدلية بين أعيان داك الزمان .

 كان المرحوم موسى بربوشي ـ مراقب الابل  في الصورة ـ رابع هؤلاء الذين عملوا رعاة ابل لدى الحاجي ماء العينين، وقبله عمل لنفس المهمة شخص ثالث اسمه  فرجي  وقبله شخص ثاني اسمه سويلم  وأولهم مسعود أصله من موريتان ، أختطف فيما يصطلح عليه باللهجة الحسانية حروب “غزّي” / الغزو والغارة بهدف النهب والسلب نهاية القرن التاسع عشر، جميع هؤلاء الرعاة ، لما يشتد ساعدهم ويتقوى دراعهم ، كان يمنحهم الشريف الحاجي كرامتهم وتمكينهم من نصيب مفروض من الابل وهو ناقة،  وقطعة أرض للحرث،  ويضبط لهم وثائقهم الثبوتية،  وقد ويزوجهم  اذا آنس منهم رشدا ودرابة حتى يتمكنوا من الاستقرار والعيش الكريم جواره في “بورة العرب” بلاسطاح تارودانت.

المرحوم موسى بربوشي هذا الرجل في الصورة عاش مع الخضيرة ، اسم علم للمؤنث، في بعض المناطق  المغربية الداخلية اسم المذكر هو الخضير أو لخضر، وقد تحول مع مرور الزمن وتعاقب الايام من اسم شخصي الى اسم عائلي يحمله عدد من الرودانيين، الخضيرة بنت مبيرك وهي صيغة لغوية نحوية تفيد التصغير لاسم مبارك، خبيرة في نسج الخيام الصحراوية الفسيحة من وبر الإبل الممزوج بشعر الماعز ، الأول يؤمن الظل البارد صيفا والثاني يضمن عدم تسرب قطرات المطر شتاء، هي إذن بعض من دراية المجتمع النسائي العربي القبلي المتجذر في عمق الصحراء ، كذلك بعض انواع الصناعة التقليدية المرتبطة بالحياة القبلية تحت الخيمة الصحراوية مثل حصير قصب الدوم البري وأطباق سعف النخيل ،،،  الى هذا تعتبر الخضيرة على معرفة ودراية بأمور الدين، لأنها تتلمذت  في صغرها حتى سن متقدمة على يد عالمة جليلة تدعى مريم بنت محمد الشيخ الكنتية من قبيلة كنتة بمالي ، الخضيرة كانت أيضا مسؤولة عن تدبير أمور الخيمة، من حين لآخر كان بعض “أولاد” تارودانت كما ذكر لي أحد أصدقاء  موقع التواصل الاجتماعي برفقة أقرانه كانوا في داك الزمن يذهبون لجمع النبق من شجر السدر بمنطقة لاسطاح، ويعرجون عليها لتسقيهم لبن الإبل وهي تبلغ من العمر 115 سنة وقد أوصت بدفنها بعد وفاتها بمقبرة باب الخميس…

بعد وفاة الشريف الحاجي بقي  قطيع الابل في عهدة  خادمه، مستمرا في مهمته التي قضى فيها زهاء سبعة عقود، بينما بقية أفراد العائلة فضلوا لفترة الاستقرار بمدينة اكادير، فبدأ قطيع الجمال يتضاءل بتعاقب الفصول، هذه مرضت وماتت، وداك تاه ولم يعد، وبينهما يتصرف الراعي تصرف دي متاع في ملكه، دون أن ننسى عامل الجفاف الذي ضرب تارودانت مثل الجائحة مع بداية 1982 مما أدى الى تدهور أعداد القطيع بشكل فضيع؛ كما ذكر لي نجل الشريف أن والده رحمة الله عليه مرارا قام ببيع أحد الرؤوس من القطيع في موسم سيدي احمد أوعمر أو ناحية الرحالة شرق منطقة المنابهة شمال تارودانت، وبعد شهور يعود الجمل أو الناقة الى “مراح لبل” وهو فنائها الذي تأوي اليه كل ليلة للمبيت بمحاذاة مصلى تارودانت القديم في “بورة العرب” .  وقد أدركنا بعضا من تلك الجمال وبعض رؤوس معدودة من الأغنام خلال عقد التسعينات من القرن الماضي، كانت ترعى لوحدها  في محمية المياه والغابات الى الشمال من تارودانت والتي تحولت اليوم الى ضيعة ملكية، الجميع يقر أنها جمال ماء العينين، لكن ينسبونها لثالث عامل على اقليم تارودانت الذي كان يحمل نفس الاسم والأصول الصحراوية المغربية.

لازلت أذكر يوما من أيام صيف بداية السبعينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي ألتقطت فيها هذه الصورة، كنت رفقت “أولاد الدرب” نذهب للسباحة في ساقية باب الخميس وكانت المياه تجري متدفقة صافية ليل نهار طيلة السنة، وطلبنا من هذا الراعي شربة لبن/حليب ، لما تناولت بضع جرعات من “القدْح” وكان الوقت عصرا، لم أبحث بعدها عن أكل عدا شرب الماء حتى وجبة فطور اليوم الموالي؛ ثلاث جرعات لبن من ضرع الناقة الى “لقدح” الى فمي، كانت كافية كي أدفع الآنية بيدي لأنني لم أستسغ رائحته “النتنة” ولا طعمه المالح الذي يتصف به ولو لم يحلب أمام أعيننا لقلت إنه قديم متعفن؛ بقيت خاطري يراودها الغثيان حتى صباح اليوم الموالي، وداك حال من ألف “فانيد الماكانا 5بريال أو الباسطا 2 بريال”؛ لم أكن أعلم يومئذ وأنا ابن ثمان أو تسع سنوات أن لبن النوق يشمل نسبة بروتين عالية جدا والاملاح المعدنية بكثرة خاصة الفوسفور والحديد والبوتاسيوم والمنغنيز والفيتامين ومستوى منخفض جدا من الكوليسترول، وأن لبن الإبل يكون خاتر/عاقد لأن الناقة فزيولوجيا تحتفظ لداتها بنسبة من الماء وتتحكم في إدراره حليبا كي تصبر مدة طويلة دون أن تشرب، لذلك يعد أفضل لبن/حليب لدى جميع أصناف الثديات، متبوعا بلبن الأرنبة البرية، لهذا فصغار هذين الثديتين يمكنهم الاكتفاء برضاعة واحدة في اليوم لتذهب الأم المرضعة بقية النهار بحثا عن الكلأ.

عن نفس الفترة الزمنية، ذكر لي صديق أنه جاء يوما ما موسى بريوشي وقطيع الإبل لساقية باب الخميس قصد الارتواء، مع اصفرار اشعة الشمس التي لاحت في الأفق من بين الاشجار هناك، سقطت ناقة أرضا ولم تعد تقوى على الوقوف “رزمت”، حيث التف حولها باقي القطيع في منظر غريب وعجيب بين من ينحني من الابل برقبته ليشمها، ومن يطلق رغائه –صوت الناقة- جوارها كأنما يئن لها أو يستنفر غيرها ،،، بقيت تلك الناقة جوار الساقية مدة يزورها “أولاد تارودانت” خصيصا قصد احضار العشب ووضع قرب رقبتها لتقتات عليه، في أحد الأيام وجدوا الناقة اختفت !!! لما ذكرت هذه القصة لنجل الشريف الحاجي ماء العينين بعد 45 سنة عن حدوثها ،أكدها لي وأضاف أن سر اجتماع كافة القطيع لحظتها تلك، كون تلك الناقة كانوا يسمونها باللهجة الحسانية “لبكرة” أي البكر التي أنجبت وتفرع من نسلها كافة داك القطيع ، والجمال عموما لها طباع ذكاء عجيب اذا استأنست باللين واللطف عوض العنف، وكان القطيع في طريقه من “بورة العرب” بلاسطاح نحو ساقية باب الخميس لا يكف عن التوقف والإلتفات الى الخلف بحثا عن “لبكرة” الأم والجدة لأجيال متفرعة، وقد يتوقف بعضه في انتظار لحاقها به بعدما أصابها الكبر ونال منها الوهن ولم تعد تقوى على إطلاق السيقان للهرولة ورمي الخطى بعد تحسس وشم نسائم الرطوبة في الهواء كلما اقترب القطيع من ساقية باب الخميس فرحا وتهيلا للارتواء بعد أسبوع من العطش.

ويضيف الراوي بعد مدة، أحضر الراعي موسى بربوشي وسيلة نقل، حمل فيها الناقة “لبكرة”  المقعدة نتيجة الشلل، وأنزلها منزلة جدة الأجيال يخدمها بنفسه إطعاما وتوريدا، لما ماتت دفن جثثها إكراما لها في نفس المكان ب”مراح لبل” /الإبل على مشارف الزاوية هناك ب”بورة العرب” ، بينما هو عاش عمرا طويلا بعد ذهاب القطيع الى الأبد، لدرجة تغيرت ملامحه وهندامه، ولم يعد ذاك الراعي”الركاب” الذي يضع فوق راسه عمامة كبيرة زرقاء وسروال “قندريسي” بنفس لون الرجال الزرق/الزرقان، ويشد يديه فوق كتفيه بعصا يهش بها على “قطيعه”، كأنما قطيع الجمال أمانة الله في رقبته ووديعة ربها بعد وفاته، الى أن توفي بدوره أواخر سنة 2013 رحمة الله على الجميع.

تحية خاصة للأصدقاء الذين دخلوا معي شهر اكتوبر2014 في سجال محموم عبر موقع التواصل الإجتماعي فايس بوك بخصوص هذه الصورة/الذاكرة: مدير موقع تارودانت بلادنا، أفراح الكمري، مصطفى العربي، عبد الرحمان كونعيم، مصطفى الرداني، حسن جران، تحية لكل من يسري في عروقه دم روداني خالص ، كل زمن وذاكرة تارودانت بألف خير.

 A (1)-1 Photo 029 unnamed

$T2eC16F,!ygE9s7HHghgBR-M56j!-!~~60_57