حديث مع الصورة في الذكرى الستين لاستقلال المغرب

آخر تحديث : الثلاثاء 24 نوفمبر 2015 - 12:37 صباحًا
2015 11 24
2015 11 24

مدونة // علي هرماس عندما تبلغ الرأسمالية درجة الاحتكار تجد نفسها مضطرة لغزو البلدان الضعيفة من أجل غايات ثلاث: استغلال هذه البلدان كمراكز تصريف لإنتاجها الصناعي، البحث فوق الأرض والتنقيب تحتها لنهب الموارد الطبيعية الأولية، استثمار فائض رؤوس الأموال لديها، هو ما يصطلح عليه اليوم في قاموس الإعلام والصحافة سياسة الإعمار والتنمية من قبل الدول المانحة. لكن الاحتلال لا يتجلى فقط في صورته النمطية المتمثلة في حشد الجيوش داخل الثكنات على أهبة الاستعداد للتدخل كلما صدرت الأوامر العسكرية بذلك، بل هناك صور يومية مغايرة تتمثل في قهر المقاومة الشعبية جوعا عن طريق إحراق المحاصيل وإتلاف الفلاحة مصدر الرزق والقوت اليومي بهدف إرغام من يقاوم على الاستسلام والتسليم للأمر الواقع، نجد ايضا تحويل المياه عن مجاريها ومصادرت منابعها لافتعال أزمة تأتي على الأخضر ثم الحيوان وأخيرا الإنسان المغلوب على أمره الذي يصبح دون أن يشعر عبدا أجيرا سواء هجر أرضه أم بقي في موطنه، هذا هو الاطار العام للاحتلال. كثيرا ما أوردت صحافة المحتل بيانات معينة وأعطت أرقام مضبوطة ونسب محددة عن حجم الاستثمارات للتمويه بها على أنها تساهم في تطوير البلد المحتل وتعمل على تقدمه وتنميته، بينما تستنكف عن ذكر صافي الأرباح، من حيث لا تدري أنها تكشف عن الهدف الرئيسي من احتلالها والوجه الحقيقي لتواجدها، بغض النظر عن تلك المزايات الايجابية فعلا والتي لا يمكن انكارها بأي حال من الأحوال. نذكر مثلا المغرب باعتباره بلد فلاحي بامتياز، استصلاح وتهيئة آلاف الهكتارت “المهملة” وتحويلها الى أرضي فلاحية عصرية مدرة لمداخيل خالية بتكلفة إنتاج زهيدة، أما مجموعة شبكة الطرق المعبدة التي مدت والقناطر التي شيدت ولازالت شاهدة عصرها الا لهده الغاية، كذلك خطوط السكة الحديدية وكلها تلتقي عند ميناء الدار البيضاء لتجميع ونقل الموارد الطبيعية. من جهة أخرى وحتى تضمن فرنسا أهم عنصر ضمن التبعية الاقتصادية بعد رحيلها، فطنت لمسلك التبعية الثقافية، من أجله عمدت مند بداية تمركزها بالمغرب على محو اللغة الوطنية لصالح لغة المعمرين، لتصبح بذلك اللغة العربية في درجة ثانية/ثانوية بعد الفرنسية، وهذه هي اللغة الرئيسية في مجموع الإدارات العمومية والدوائر الرسمية؛ في نطاق إعداد الأطر من المغاربة الذين سيحتاج المحتل الفرنسي لخدماتهم – أهل مكة أدرى بشعابها وأهل المغرب أعلم بعوائده – لم يسمح للمغاربة بارتقاء السلم الاجتماعي عن طريق التعليم الى أبعد حدود التحصيل الدراسي والتكوين خلال أربعة عقود/40 سنة، سوى لحوالي 20 محاميا و10 أطباء و5 صيادلة وحفنة من المهندسين المدنيين ، في الوقت الذي سجلت إحصائيات رسمية أشرفت عليها ادارة الحماية نفسها، تواجد مليونين من الأطفال تائهين يهيمون على وجوههم في الشوارع وبين الأزقة والدروب 3/1 من بين 6 ملايين مغربي. نصل الى مطلع 1950 في نفس الاطار الاجتماعي، لما شيد سكان الرباط بالاكتتاب مؤسسة مدارس محمد الخامس للتعليم الحر على أمل أن يتفضل السلطان بتدشينها ، لكن المقيم العام جوان رفض، بل أكد للمبعوث أن السلطان إدا أصر على الخروج من القصر للتدشين، فسيجد في طريقه القوات الفرنسية لمنعه؛ بعد مدة وفي نفس التوجه الوطني تجسيدا لخطاب طنجة بين مدن المغرب الكبرى لإنشاء مدارس التعليم الحر/العربي لمنافسة المدارس الفرنسية ، رفع أعيان مراكش طلب للقصر لنفس الغرض، لما أحيل على الإقامة العامة، لم “يمانع” المقيم العام جوان، لكنه ربط تحرك السلطان الى الجنوب بضرورة توقيع ظهير مسبق يسمح للقوات العسكرية باعتقال وسجن كل من يهتف ويصيح : يحيى السلطان، يحيى المغرب المستقل!!! هذه بعض التدابير الإجرائية العسكرية التي أقدم عليها المقيم العام العسكري الجنرال جوان، كرد فعل أولي على خطاب طنجة التاريخي شهر ابريل 1947 وتأثيره العميق في الوجدان الوطني المغربي، وأبعاد ذلك وسط الطبقة السياسة الفرنسية بباريس.

الى جانب المقيم العام والسلطان نجد في المرتبة الثانية اسم ثالث كان له دوما أهميته الداخلية واعتباره الخارجي في الخريطة الحكومية لمغرب عهد الحماية، انه الصدر الأعظم / رئيس الحكومة حاليا، الذي يرأس مجموعة من المناديب ، والمندوب المغربي يعمل بتنسيق مع المدير الفرنسي ، لكن واقع الحال أنداك تسمية المندوب لا تعدوا كونها منصب سيادي رمزي، أما التسيير الفعلي فهو بيد المدير الفرنسي المحتل، وكم من مرة وجد المندوب نفسه يدافع في المجلس الحكومي عن مشروع سطر بنوده التنظيمية المدير بمعية مساعديه المرؤوسين ولم يكن للمندوب فيه أي اقتراح أو وجهة نظر أثناء إعداده !!! 1951 كانت تشكلة المجلس الحكومي يتربع فيها على كرسي الرئاسة المقيم العام شخصيا الجنرال ألفونس بيار جوان Alphonse Pierre Juin وعن يمينه الصدر الأعظم الحاج محمد بن عبد السلام المقري من مواليد 1860م – توفي 1957 بالرباط، من كبار رجالات دار المخزن، عايش خمسة ملوك علويين، وجايل تسعة مقيمين عامين، ما جعله يحظى بمكانة خاصة وموقع متقدم في تشكلة الخريطة الحكومية لمغرب عهد الاحتلال، لما اختارته سلطات الحماية لمنصب الصدر الأعظم الذي سيسمى بعد الاستقلال الوزير الأول، عن يسار الصدر الأعظم يجلس مسيو … المعتمد لدى الاقامة العامة، هذه التشكلة تكون متحلقة مباشرة الى طاولة الاجتماع الكبيرة، يأخذ المكان خلفها بحسب عضوية المجلس الاستشاري الفرنسي والمخزني المديرون الفرنسيون منهم في هذه السنة مسيو طابو TABOT مدير المعارف/التعليم والثقافة والرياضة، ومسيو ليسيوني LISSIOUNY مراقب الأحباس ، نتحدث عن مراقب وليس مدير لأن الأوقاف في بلاد الاسلام قاطبة هبة شرعية تدبر بالمغرب تحت إشراف وسلطة مباشرة للسلطان رمز الشرعية الدينية والوطنية، وكان ليوطي دوما يذكر ويحث العسكريين والمدنيين المعمرين عدم دخول مساجد المسلمين أو المساس بشعائرهم الدينية ،،، ثم مسيو لاميLAMI مدير خزينة المالية المغربية ،،، أما مناديب الصدر الأعظم بالمجلس الاستشاري المخزني منهم مندوب المعارف عبد السلام الفاسي الذي كانت له يد بيضاء في فتح عدد من المدارس الحرة رغم محدوديتها بمغرب الحماية، منها مدرسة النصر الحسنية الحرة بتالبرجت في أكادير قرب سينما صحراء، التي كان مدة مديرا لها الوطني المقاوم محمد الحبيب الفرقاني المراكشي التحناوتي، وفي جهة محايدة من طاولة المجلس الحكومي يقبع كبار الباشوات والقواد أشهرهم في هذه الفترة باشا الجنوب بمراكش الحاج التهامي الكلاوي والقايد العيادي بالرحامنة وباشا فاس الحاج الفاطمي بن سليمان وباشا سطات مولاي العربي العلوي وباشا صفرو البكاي وغيرهم، بجانبهم يسارا مكان لجلوس رؤساء النواحي/الأقاليم المغربية السبعة، وهو تقسيم إداري وضعه الجنرال ليوطي آخر عهده بالمغرب ليقوم بتنفيذه خلفه، ثلاثة نواحي مدنية وهي الرباط والدارالبيضاء ووجدة، وثلاثة عسكرية هي فاس ومكناس وأكادير، بينما مراكش بوضعية مزدوجة مدنية وعسكرية في آن؛ رؤساء النواحي طبعا فرنسيون إما مدنيون أو عسكريون أشهرهم وأشرسهم المسيو بونيفاس رئيس ناحية الدار البيضاء ومدير الداخلية سابقا – خلال عقد الثمانينات طالما سمعت على لسان بعض الرودانيين الكبار للتعبير عن عدم الرضى بقرار الحكم: ” فلان بغا يرجعنا لحكام بونفاس” والمسيو برونيل رئيس ناحية الشرق/وجدة وآخرهم بسوس الكولونيل فيرون، في الصف الخلفي ممثلوا الغرف المهنية للفلاحة والتجارة والمصالح الخدماتية جلها متمركز بالدار البيضاء، وممثلا الطائفة الإسرائيلية المغربية بردوكو وابن دهان، وآخرا جانب منزو خاص بمكاتبوا الصحف الفرنسية المحلية الناطقة بالفرنسية موجهة لجالية المعمرين وبالعربية جريدة “السعادة” لسان الاقامة العامة، أما الصحافة المغربية فممثلة في جريدتي حزب الاستقلال “العلم”بالعربية و”الرأي” بالفرنسية.

محمد بن يوسف، هو لقب هذه الفترة العصيبة من تاريخ المغرب، ليتحول لقب الدلالة بعد الاستقلال الى رمز وطني شخصي هو السلطان محمد الخامس، صورة معنوية محسوسة كل واحد من جيل الآباء وأين يحتفظ له بها، بين من خصص لها مكان في وجدانه الوطني، ومن أسرى بها ليلا الى القمر ولم يعرج بها الى الأرض إلا بعد الاستقلال، بينما الادارات العمومية اتخذتها صورة رسمية، الوحيدة بالأبيض والأسود مند عدة عقود الى وقت قريب، ظلت مقابلة لمدخل مكتب البريد المركزي بتارودانت، وأخيرا سأعرض لحالة فريدة وكيف احتفظ للسلطان برمزية الصورة، إنه أحد التجار السوسيين الذين هجروا أرضهم و”بلادهم” بقبيلته السوسية ، كما سبقت إشارة الموضوع تحت ضغط الاحتلال، هذا الأخير فضل الهجرة الى الدار البيضاء أثناء فترة الحماية للاشتغال بالتجارة عوض الإجارة بفرنسا كمهاجر مغربي مُغرّب كما فعل عدد كبير من أهل سوس. إنه الحاج الحسن ابن الفقيه التفراوتي الملقب “بوواتاي”، كما نجد سوسي آخر كسب شهرة تجارية وطنية مماثلة اسمه الحاج ابراهيم التملي، يلقب “بيمسمارن” لأنه يتاجر في مواد البناء والعقاقير، وقد ألف مؤخرا الدكتور عمر أمرير كتابا تحت عنوان “عصاميو سوس بالبيضاء” جمع فيه ثلة من هذه العينة، مرد هذا أنه قبل سن نظام الحالة المدنية كان المغاربة يتعارفون بالاسم المزدوج فلان بن فلان متبوعا بلقب الحرفة التي يمارس، الحاج الحسن “بوواتاي” كانت له يد وطنية بيضاء في الدار البيضاء، لأن منزله استضاف مرار اجتماعات عدد من رجال المقاومة والتجار السوسيون من كافة المدن المغربية وأعضاء المكتب الاداري لجمعية علماء سوس صيف 1956 لدراسة مشروع بناء معهد اسلامي بتارودانت وفروعه بربوع سوس على غرار نظام مدارس محمد الخامس بالرباط، لمحاربة الجهل والأمية المعرفية و الأبجدية. الحاج الحسين “بوواتاي” نموذج السوسي العبقري الذي استطاع بالدار البيضاء غداة الاستقلال بناء اعتبار اجتماعي متميز لشخصه وصفة لذاته، ولم تكن قط معاملاته التجارية الضخمة لتشغله عن مساعي الخير وحب الوطن والسلطان، لقد تعدت آنذاك وطنيته وحبه للسلطان كل حدود تفكير المغاربة لتسافر صورة محمد الخامس الرسمية حتى شرق الكرة الأرضية بعدما عرجت من القمر عقب الاستقلال، كي تطبع بدولة الصين أول منتج ومصدر لحبوب الشاي بجميع أصنافة ، طبعت الصورة على علبة من معدن القصدير مربعة الشكل، طليت من الخارج باللون الأحمر القاني rouge vif، لون الدم المغربي الحي والعلم الوطني الخفاق خفقان القلب النابض، زينت برسوم التوريق الذهبية، الأحمر رمزية لدم الفداء، والأصفر الذهب/ي المعدن النفيس رمز من استرخصوا أرواحهم من الشهداء المغاربة، أما قرص الصورة دلالة القمر، تعبيرات تشكيلية مند إعلان الاستقلال الى عهد قريب لا تستغني عنها الخالدات من الاحتفالات الوطنية : عيد الاستقلال وعيد العرش ، آخر مقراتها بتارودانت متجر المرحوم الحاج رحوم الساعاتي “الماكني” قرب ساحة الأندلس؛ هي إذن صورة محمد الخامس في أبهى حلة على أجمل علبة تجارية معدنية بداخلها حبوب “الأتاي” الذي يحتل المغاربة الصدارة الأولى في استهلاكه عالميا الى اليوم، ولم يتنهم عن تناوله الأزمة العالمية المعروفة “بأيام البون” في هذه الفترة التي نحن بصدد حديث مع الصورة عليها، لما كان المغاربة يعدون براد الشاي بدون سكر ولتعويض حلاوته يضعون ثمرة جافة في الفم ويمتصونها . لقد تعمد الحاج الحسن “بوواتاي” – فيما يبدو لي- عدم إعطاء اسم تجاري للعلبة واكتفى بوضع صورة السلطان على جميع جوانبها الخمسة، ما عدا أسفلها الذي توضع عليه، لأن لصورة السلطان/الملك الى اليوم رمزية وطنية تجعلها دائما فوق وليس تحت، شكل التلفيف هذا جعل المنتوج يعرف تجاريا باسم “أتاي نسلطان” ولم يكن قط ثمن شرائه حاجزا أمام اقتنائه لإتمام نشوة الاحتفال بالأعياد الوطنية والدينية والمناسبات الخاصة، بعد ذلك يتم الاحتفاظ بالعلبة التحفة لنفس الغرض تزيين جلسات “الأتاي” الاستثنائية، بدل رميها وهو حال اليوم، يتم ملئها من جديد حسب القدرة الشرائية التي تحدد نوع “الأتاي” عند المشتري المواطن ، هكذا وصلنا الدليل المادي لأحد عناصر الوطنية المغربية الصادقة التي أتت بالاستقلال نتبحبح في كنفه رغد العيش ونتقيأ ظلاله عن اليمين وعن الشمائل نحمد الله على نعمة الأمن والاستقرار. كل زمن ووطننا حفظه الله بألف خير

PHOTO 1 سرير المنفى صورة 1 مأوى الأمراء في المنفى ي2