حديث مع الصورة : مدرسة عبد الله بن ياسين نموذج زمن التربية والتعليم

آخر تحديث : الإثنين 26 يناير 2015 - 2:25 صباحًا
2015 01 26
2015 01 26

دنيا بريس: مدونة/ علي هرماس الصف الامامي جلوسا وصفار محمد ـ استاذ / موسى محراز- استاذ / أبو فاس محمد – عامل ورش /الكمري عمر- مصلح الدراجات/ أزناك عبد العالي – مهندس معماري باكادير / برادة عبد الواحد ـ الدرك الملكي / التودي الحبيب – طبيب باكادير/ الداحي عبد الخالق ـ استاذ / كوعبلا محمد ـ سائق / بوشرور سعيد ـ رحمه الله/ زماني محمد/ بوعناني مولاي محمد /الخمال مولاي الحسن ـ رحمه الله/ العربي الحياني – موظف بالداخلية. الصف الأوسط من اليمين الى اليسار ايت بدن اسماعيل – تاجر مواد البناء / عبد اللطيف الهبوب – فلاح / بالوبالي / عفيف محمد / الحدري أحمد – موظف / زكرياء الشنقيطي /مولاي التجاني العدناني – مقتصد / الفارسي عيسى ـ سائق / الرحوم عبد القادر – نجارة التزيين باكادير / الوجاجي محمد ـ والده هو ثاني برلماني على تارودانت بعد مولاي عبد الحفيظ الوثير / ديشري مولاي مبارك ـ استاذ / المرتقي / كويحيى عبد الحليم / الحمراوي عبد الرحمان الصف الأخير من اليمين الى اليسار عبد الفتاح )اسم عائلي(عبد المجيد “البيضاوي” ـ سائق / العياشي محراز ـ اسكافي/ …”التزنيتي لمضاربي”- رحمه الله / الأطرش ابراهيم ـ تاجر/ …”احماد “- كهربائي / السكراتي مولاي محمد – مقتصد / كوصيرة عبد الله – استاذ / محمد … ـ قطاع الصحة / الكرني مصطفى- جزار /عبد اللطيف الفتاحي – رحمه الله/ طويل محمد ـ لحام / البكاي محمد ـ استاذ / العقاد عبد الحق ـ كهربائي / الزخار محمد ـ مقاول بناء / اسقارو الحسين ـ مسير وحدة فندقية / الادريسي مولاي الحبيب – موظف بالداخلية / خليفة جمال ـ دعداع الحبيب – رحمه الله . سي عطي محمد معلم العربية سي نجاح العربي معلم الفرنسية هؤلاء تلاميذ مدرسة عبد الله بن ياسين بتارودانت خلال الموسم الدراسي 1967/ 1968 من بين المعلمين ، رحمة الله على من انتقل منهم الى عفو الله وأطال عمر من بقي في طاعته، الذين بصموا تاريخ تارودانت في هذه الفترة بهذه المدرسة سي دادة العربي ابن تارودانت بحومة القصبة مدرس “متخصص” في الحساب/Calcul، ثم سي بندحو “متخصص” في اللغة الفرنسية، ثم سي علي كوصيرة وسي الملالي وسي العربي الفاضلي و سي حسن مؤيد وسي عبد الرزاق زايط … واكثر ما يتذكر تلاميذ جيل السبعينات من أبناء تارودانت بمدرسة عبد الله بن ياسين وهو سي نجاح “متخصص” في الخط L’écriture بالريشة والمداد من المحبرة والمنشفة plume+encre+buvard ، كان دائما يدرس المستوى الخامس ابتدائي وهو المعروف اختصارا CM2 أي المتوسط الثاني الذي يخضع فيه التلميذ آخر السنة لامتحان الشهادة الابتدائية ، امتحان وشهادة كان يحمل همها كافة أفراد أسرة التلميذ بل وباقي الأقارب من الأعمام والأخوال والجيران ، وكل عائلة توفق ابنها آنذاك في الحصول على الشهادة الابتدائية تقام له حفلة عائلية عند بعض الأسر الميسورة ، فيما تحظى من هي متوسطة الحال بهدايا “التباركة” كما تسمى محليا، ويسمع في تارودانت : “ولد أيت فلان راه شاااااد الشهادة” ، مرد هذا أن الكثافة السكانية بتارودانت كانت ضئيلة جدا في 1960 تقدر ب 15988 واستمرت في تزايد بطيء مقتصر على الرودانيين المتجدرين لم تتجاوز 20 ألف نسمة في 1970 لدرجة لازال العديد وقتئذ ينتشي بالأفراح الوطنية ولازال يعيش طراوة الاستقلال ونشوة عيد العرش بأفراحه وأهازيجه، يجد ذلك تجسيده حسب المناسبات الوطنية في الاحتفالات المدرسية، والمغرب يشهد تحولات اجتماعية أكثر انفتاحا خصوصا في الأوساط الحضرية المحافظة كتارودانت ؛ في المقابل كانت الادارة المغربية تفتقر للاطر الوطنية ؛ لهذا في سنة 1970 بدأت تتوسع قاعدة التمدرس بحثا عن الكفاءات المهنية بالتحاق أغلب الحاصلين على الشهادة الابتدائية بالتعليم الثانوي الذي يمتد على سبع سنوات من قسم الملاحظة حتى شهادة الباكالوريا، جميع ابناء تارودانت الذين ازدادوا قبل 1970 درسوا اللغة الفرنسية والمواد العلمية بالتعليم الثانوي العصري، ابن سليمان الروداني بينما التعليم الأصيل المعرب وهو معه محمد الخامس، أقول درسوا على يد الأجانب الفرنسيين بالخصوص و آخرهم بثانوية ابن سليمان الروداني كان يدعي مسيو دوييMr Douillet صاحب سيارة بوجو 504 زرقاء غادر تارودانت سنة 1988 وقبله مسيو ألان لوبييAlain Loubier صاحب سيارة فياط 127 حمراء غادر المغرب 1985 ،،، الشهادة الابتدائية كانت لها قيمتها الاجتماعية حيث أن جل التلاميذ يختصرون مسيرتهم الدراسية عند وصولهم هذا المستوى، كانت فرص العمل المهني التقني جد متاحة أمامهم في بعض المهن الحرفية العصرية خصوصا النجارة والتلحيم الكهربائي التي تتطلب قسطا يسيرا من المعرفة ومستوى لابأس به في اتقان عمليات الحساب ليلج الشخص ورشة عمل بسهولة معززا مكرما لا يلبث أن يحمل صفة ” لْمْعَلّم” ،لأن الأغلبية الساحقة من الحرفيين وقتئذ كانوا يعانون الأمية الأبجدية وليس المعرفية، بالعكس تجد صاحب الورشة متقنا لصنعته خبيرا بسوقها لكن تعوزه القراءة والكتابة، وهذا هو سبب اقتناع أغلب الآباء آنذاك ليتوقف أبنائهم عن الدراسة واختصار المسار التعليمي عند وصولهم مستوى الشهادة الابتدائية، يضاف الى ذلك عدم وعي الآباء بأهمية متابعة الدراسة وتحفيز أبنائهم لأن تارودانت كانت تشهد رغد العيش وبحبوحة الخير الفياض إضافة الى عنصر ثالث تربى عليه أهل تارودانت الى اليوم القناعة بما قسم الله من الرزق ، وقد ذكر لي محاور عن تلك الفترة الزمنية – مطلع السبعينات – في سجال بموقع التواصل الاجتماعي، أنه كان يخرج من منزله المتواجد في عمق حي تفلاكت ، كان يقطف هناك قصد التذوق فاكهتين أو ثلاث بحسب الموسم من جنان العرعوري أو جنان بوتفوست أو جنان أولامين أو جنان الأحباس وهو في طريقه الى مدرسة عبد الله بن ياسين ، ثم يغسل يديه وفمه في ساقية تملالت التي تمر تحت الأرض قرب باب المدرسة ، وقبل دخول المعلم الى القسم توضع له ليمونة أو رمانة فوق المكتب هدية ،،، الى جانب هذا عدد من أبناء تارودانت خولتهم الشهادة الابتدائية ولوج قطاع الوظيفة العمومية إطار محرر أو كاتب ، بينما شهادة ” البروفي Brevet، مستوى الرابعة ثانوي/ التاسعة حاليا، تسمح للمترشح باجتياز مباراة التوظيف المباشر في وزارة التهذيب الوطني / التربية الوطنية أو وزارة الصحة العمومية، الوظيفة الأولى توقفت في 1978 أو سنة بعدها بينما الثانية توقفت 1982، لكن ونحن بصدد الحديث عن الشهادة الابتدائية لا مجال للمقارنة بمستوى التعليم ولا التحصيل الحالي، يستحيل أن ينسى كل من تتلمذ على يد سي دادة وسي نجاح المتخصصين في اللغة الفرنسية بمدرسة عبد الله بن ياسين وصرامتهما وتفانيهما في العطاء والعمل ، كان نظام الدراسة المعتمد اداريا يبدأ من 8 والنصف الى 11 والنصف صباحا ، أما الفترة المسائية فتبدأ من 2 زوالا الى الخامسة مساء، لكن سي نجاح يستمر في إعطاء دروس الدعم للرفع من مستوى تحصيل التلاميذ ساعة إضافية يوميا صباحا ومساء، حسب مستويات التلاميذ دفعة واحدة كل فئة وتمارينها : الضعاف والمتوسطون والجيدون ليصبحوا متفوقين جميعا، هذا المجهود الشخصي ـ الساعات الإضافية ـ كانت بالمجان وإجبارية في زمن لم يكن دعم التعلمات معروفا نهائيا لدى وزارة التربية الوطنية، إنما هو فكرة وتنافس من ذاك الزمان بين المدارس بتارودانت، وبعض رجال التربية والتعليم بها، وداخل حرم نفس المدرسة من يحصل منهم قسمه على أعلى معدل نجاح، وأكبر عدد من الناجحين، ويحصد تلامذته الجوائز التقديرية يكون نصيبه سمعة طيبة بالأوساط الرودانية في الشهادة الابتدائية، قد يبدو هذا غريبا بالنسبة للأجيال اللاحقة وغير مستساغ بالنسبة لجيل اليوم، ولأبين أهمية الشواهد المدرسية سابقا أذكر أنه الى حدود 1980كان الحاصلون على شهادة الباكالوريا تطبع أسمائهم الشخصية والعائلية مقرونة بمركز الامتحان وتصدر على الأقل في جريدتين وطنيتين مختلفتين الأولى ناطقة بالعربية والثانية بالفرنسية . أما بخصوص دعم التعلمات/ الساعات الاضافية التي أصبحت اليوم كفريضة الحج – غفر الله لي التشبيه – لابد منه إلا لمن لم يستطع اليها سبيلا، يتذكر جميع من مر بها عند سي نجاح كم من مرة أخذه سهو الشرح والتصحيح أثناء دروس الدعم الصباحية الى غاية الواحدة بعد منتصف النهار، ولما يتنبه يتوقف في الحين ويسرح التلاميذ الى حالهم استعداد لحصة المساء وهو أيضا مشمول بها، الحصة التي ستنطلق بعد ساعة أي تمام الثانية بعد منتصف النهار، فيخرج عدد من التلاميذ فيجدون أمهاتهم أو أحد أفراد الأسرة أو المعارف بالتناوب ينتظرون في الخارج وقد أحضروا لهم غدائهم الى باب مدرسة عبد الله بن ياسين : كسرة “خبز الدار” من القمح الأسمر أو الشعير “الطويجنة” التي تسمى اليوم “البطبوط” محشوة بقطعة لحم ومرق وخضر طرية من حقول تارودانت ،،، وهذه هي الفترة الزمنية التي كان يحضر خلالها في المساء، من حين لآخر، رجل طويل القامة يليس عمامة وجلباب وبلغة الكل بالأبيض وعكاز بني وفوق اللباس “أقراب” يسألنا بعد الخروج من حصة المساء عن ما حفظناه من القرآن في مدرسة عبد الله بن ياسين، ثم ينفحنا ثمرات رطبا جنيا حتى أصبح شخصا مألوفا نتسابق هرولة للبحث عنه للقائه ،لقب في تارودانت عند عموم التلاميذ الصغار ” با حماد الثميرة ” رحمة الله عليه. من الرجال الطيبين أيضا بمدرسة عبد الله بن ياسين سي الطيب الخياطي إسم على مسمى رحمة الله عليه ، صاحب الجلابيب الأنيقة ، لما يهمل تلميذ إنجاز المطلوب منه بعد عدة إنذارات يتم عقابه “بضربتين” بمسطرة صغيرة خشبية على اليد، وفي الحين يخرج سي الطيب حلوى سكرية / فنيدة من جيبه ويضعها للتلميذ في راحة اليد التي تلقت “العقوبة”، لتهيمن الفرحة النفسية بالهدية على رمزية العقوبة البدنية، لما عاد من حج بيت الله الحرام، طلب احضار كافة تلامذته، حيث خرجوا من مدرسة عبد الله بن ياسين صفا واحدا كالنمل يتقدمهم طفل مسؤول القسم يدعى محمد عنان هو اليوم نسخة للمرحوم سي الطيب بمدرسة البساتين وكأن التاريخ يعيد نسخ نماذجه التربوية، ساروا مثنى مثنى صفا واحدا حتى درب السقاية بحومة جامع الكبير، وبعد تقبيل يده اليمنى احتراما وتقديرا انطلاقا من مبدأ الصغير يحترم الكبير، والكبير يعطف على الصغير وهو عرف تربوي وأبوي روداني قديم قدم التاريخ، استقبل سي الطيب الجميع بالحلوي التقليدية الرودانية – الغريبة البلدية – وكؤوس الشاي في غرفة فسيحة ضاقت بهم لا يسمع فيها إلا شوشرة كالصيصان/ الكتاكيت، وبعد اكرامهم رفعوا الكفوف : سي الطيب الذي عاد لتوه من الحج طاهرا من الخطايا يدعوا وأطفال البراءة يؤَمّنون/آمين. لقد صدق من قال لكل مقام مقال ولكل زمن رجال، فكيف هي صورة رجال التربية والتعليم اليوم ؟ لن نستطيع مهما حاولنا ايجاد جواب قطعي باسقاط ولكن ،،، صيرورة التاريخ هي الوحيدة الكفيلة بتقييم التجارب وإصدار الأحكام إزاء علاقة الراعي بالرعية وكل مسؤول أمام الله والتاريخ عما استرعى !!! كل زمن وتربيتنا وتعليمنا بألف خير

0