حديث مع الصورة: مرايا قضائية من زمن العدالة الرودانية

آخر تحديث : الثلاثاء 9 يونيو 2015 - 2:49 صباحًا
2015 06 09
2015 06 09

مدونة : علي هرماس كان تسيير الشأن المحلي بالمدن المغربية زمن الاحتلال يتم تحت سلطة المراقبين المدنيين أو العسكريين الى جانب الباشوات الذين يمثلون السلطة الشريفية بالمغرب، يمارسون سلطة مباشرة على الأهالي تحت مراقبة السلطة الفرنسية، أما القبائل فيحكمها القواد الذين يتوفرون على نفس سلطة الباشا بالمدينة تمكنهم من اخضاع الأهالي لسلطتهم؛ ونعلم جيدا أن سلطات فرنسا اقدمت مند البداية على تقسيم المغرب الى ثلاثة اقاليم مدنية هي الرباط والبيضاء و وجدة، تباشر السلطة فيها بواسطة مراقب مدني وثلاثة مدن عسكرية هي فاس ومكناس واكادير يشرف عليها ضابط الشؤون الأهلية، واستثناء مدينة مراكش ومعها الجنوب بنظام مزدوج مدني وعسكري. في هذه المرحلة تميز النظام القضائي بميزات ثلاث : تعدد المحاكم، اختلاف التشريعات وتداخل السلطات القضائية، بحيث نجد المحاكم الشرعية، والمحاكم المخزنية، ومحاكم العرف في بلاد السيبة أحدثتها إدارة الحماية في قسم كبير من المغرب بمقتضى ظهير 16 ماي 1930 الذي عرف باسم الظهير البربري ، أخيرا المحاكم الخاصة بالطائفة الاسرائيلية المغربية، لكل من المحاكم الأربع نظامها في التسيير والقوانين والقضاة. كان أول القضاة الشرعيين الذين صدر اسمهم وظهير تعيينهم بالجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية عدد 329 بتاريخ 18 غشت 1919 موافق 20 قعدة 1337 هو موسى بن العربي الرسموكي أصلا الروداني دارا واقبارا، خلفا للفاطمي الشرادي المستعفي، قاضيا بتارودانت على مرحلتين ما بين سنة 1337هـ الى 1361هـ حيث أحيل على المعاش1361 وتوفي السنة الموالية في 02/10/1362هـ، ودفن بالمقبرة الكبيرة بتارودانت على مقربة من “ضريح” قاضي الجماعة سيدي سعيد الهوزالي عند المدخل من جهة دوار المخازنية داخل المقبرة الكبيرة بتارودانت، هو اليوم ضريح متهالك بعدما عمّر لأربعة قرون، كما دفن بجوار الاثنين قاضي روداني ثالثهم هو الشريف المقاوم الوطني مولاي سعيد بن السعيدي العلوي ، على مقربة منهم رابعهم المقاوم الوطني سي رشيد الصلوت ؛ مدة خامرني تساءل داخلي محير عن سر دفن الخلف جوار السلف لهذه الزمرة الطيبة التي مارست القضاء بالعدل والقسطاس بتارودانت فلم أجد !!! كنت قد استفسرت المرحوم مولاي عبد الله نجل بن السعيدي إن كانت هناك وصية سابقة بمكان الدفن بعد الوفاة على عادة أهل رودانة الى اليوم، فنفى عمله بها قيد حياة والده، انما لحظتها يتكلف بذلك الخلان من الأقران تخفيفا عن أهل الفقيد الذين يكونون في جلبة من أمر مصابهم ومصيبتهم، الى أن عاينت حضوريا تشييع سي رشيد المصلوت جوار بقية السلف من قضاة زمن العدالة بتارودانت، الى غاية ترجلنا خلف نعشه والقوم يتساءلون عن موضع قبره، علما أن جنازته حضرها عامل اقليم تارودانت عبد الفتاح البجيوي وسي عبد الله نجل الفقيد وقتها والي جهة الغرب الشراردة ،،، انها حكمة يحكمها رصيد أدعية سابقة مرفوعة الى قاضي قضاة السماء، من قبل قضاة الأرض الذين كانوا في غنى أن يعلقوا بمسمار فوق رؤوسهم بل خلف ظهورهم لوحة ” وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ” أيضا ” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ” لأنهم عاشوا بسطاء وماتوا فقراء . بعض اولئك الرجال ونحن نتحدث عن زمن الحماية الفرنسية، كان نفود محكمتهم الشرعية يغطي قبائل هوارة واولاد يحيى ومنتاكة وهركيتة وكطيوة وتيوت وأيت اكاس وقبائل رأس الواد، أي منطقة أولوز، هذا النفود حتمه التقطيع الاداري الذي وضعته سلطات الحماية بعد مشاورة مع القواد الكبار الموكول لهم “بالنيابة” ضبط الأهالي، كان الجنوب كله أولا تحت نفود الباشا الكلاوي بمراكش، ينوب عنه بسوس خليفته حيدة ميس قبل أن يصبح بدوره باشا عقب طرده للهيبة من تارودانت، ثم ولده الحاج حماد المعزول سنة 1346هـ ، ماعدا مرتفعات الأطلس الصغير وهي في حكم مناطق السيبة التي تحكمها الأعراف المحلية، ومنطقة تزنيت التي يسيطر عليها الهيبة ابن الشيخ ماء العينين بعدما خرج من تارودانت. بعد عزل الحاج حماد وزعت أيالته الى عدة قيادات، فأسندت قبيلة هوارة الى القايد بوشعيب الدكالي، وبتارودانت الحاج عمر بن الحاج حماد المذكور، وبأولاد يحيى القايد العربي بن موسى، وبتيوت وكطيوة القايد محمد بن ابراهيم التيوتي، وبمنتاكة القايد المهدي، وبالمنابهة وأيت اكاس القايد محمد بن بن الحاج حماد المذكورـ عزل سنة 1348هـ ـ وبتلكجونت القايد الحسن بن بازي، وبالرحالة جنوب منطقة أولوز القايد الطيب الدردوري، ومركز الدائرة والمراقبة بالنسبة للجميع هو تارودانت مقر عمل وسكنى ضابط الشؤون الأهلية ممثلا لسلطة الاحتلال. يحرر ظهير تولي القضاء باللغة الفرنسية والعربية وتعين دائرة نفوده ، يتوصل القاضي بنسخة مضمنها : يعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره وجعل في الصالحات طيه ونشره اننا بحول الله وقوته وشامل يمنه ومنته ولينا ماسكه الفقيه ……. خطة القضاء بقرية ـ ويسمي مقر المحكمة الشرعية متبوعا بأسماء قبائل دائرة النفود الترابي التي تغطيها المحكمة ـ وأسندنا له النظر في تصفح الرسوم والخطاب عليها، والفصل بين الخصوم على أن لا يخرج في الحكم عن المشهور والراجح، أو ما به العمل، من مذهب امامنا مالك، سالكا في ذلك أوفق المناهج وأوضح المسالك، وأن يعمل بمقتضاه، و لا يحيد عن كريم مذهبه السني و لا يتعداه، وعليه بتقوى الله، ومراقبته في سره ونجواه، وليعلم أن الله سبحانه وتعالى يراه وأن أحكامه ستعرض عليه في اخراه وفقنا الله واياه لما يحبه ويرضاه، نأمر الواقف عليه من خدامنا وولاة أعمالنا أن يعلمه ويعمل بمقتضاه والسلام. طابع حجري بدائرته فالله خير حفظا وهو أرحم الراحمين، وبوسطه محمد بن يوسف بن الحسن الله وليه ومولاه. 1364 هـ /1944 م كان بالمغرب مجلس استئناف وحيد مقره بالرباط، ولم يكن بالمدن والقرى سوى قاض وحيد ينظر في دعاوي الأحوال الشخصية والمدنية والعقارية، أما الجنايات والجنح فيسند أمر البث فيها للباشوات والقواد تحت إشراف مراقب فرنسي هو ضابط الشؤون الأهلية، هنا يظهر الفرق بين نظام القضاء الشرعي والقضاء المخزني، ففي الوقت الذي تولي فيه المراقبة عناية كبيرة تنظيما وتجهيزا لقسم الجنايات من استقلالية البناية والرئيس وبقية الأعضاء، يتم اهمال مكتب القاضي الشرعي اهمالا تاما، فلا بناية صحية ولا تنظيم ولا تجهيز ولا كاتب، ويمكن للزائر أن يقف اليوم على نموذج تلك البناية على مقربة من السوق الأسبوعي بثلاثاء المنابهة كتب على جدارها بالاسود من مكر الصدف ” ممنوع البول هنا” . رغم أن قضاة الشرع يعينون بظهير مختوم بالطابع الحجري للسلطان، الا أن ظروف عملهم ليست مريحة بالنظر لنظرائهم في السلطة التنفيذية قضاة المحكمة المخزنية من قواد وباشوات ومراقب/ضباط الشؤون الأهلية أو العسكرية، بل عديدة هي الحالات التي يحاول القواد التدخل في سلطة الشرع . من حظ اقليم اكادير أن عين محمد الخامس غداة الاستقلال الجنرال عبد السلام الصفريوي أول عامل على اقليم اكادير بعد الاستقلال، فوجد أمامه فراغ كبير فيما يخص مهام الداخلية والعدل بالخصوص، فكان على العامل ايجاد شخص أهل للثقة والوطنية فكلف مولاي سعيد بن السعيدي العلوي للقيام بالمهمتين مرحليا، فكان نعم الاختيار ونعم رجل السلطة والقضاء ردحا من الزمن، الى أن استتب التسيير الاداري فأعفي من السلطة وولي القضاء، كأنما الأقدار تنقاد له لكونه من “أهل مكة” وأهل مكة أدرى بعوائد قبائلها وشعابها، كما يعتبر صاحب الفضل فكرة وتنفيذا في بناء المدرسة العلمية بحومة سيدي حساين وسماها الجشتيمية، فكان مثالا للاقتدار والنزاهة والتعمق والرصانة في القضاء الى أن أحيل على المعاش 1969، شهادة في حقه مدونة للتاريخ من أحد أنداده بالمخالطة والمعاشرة محمد بن عبد الله الروداني/خرباش مدير الخزانة الملكية بالرباط. محمد البيضاوي الشنقيطي أخذ عن عدة علماء وعالمات أجلاء بشنقيط، ما جعله على جانب وافر من الاطلاع ومكنه من مراكمة رصيد معرفي متعدد المشارب خصوصا في حلبة الأدب التي جرى فيها حافر قلمه وسمى علمه على عادة العرب بالقطر الشنقيطي المغربي العزيز، انتقل في ركاب مولاي عبد الحفيظ من مراكش الى فاس حيث جامع القرويين، ومنه الى الأزهر، ومنه الى الحجاز في ركاب السلطان الذي عينه بعد عودته كاتبا خاصا له ومشرفا على خزانته العامرة، بعدها اشتغل مدرسا وعدلا وترجمانا رسميا وعضوا للاستئناف الشرعي بالرباط وقاضيا بقبائل بني عمير نواحي واد زم، قبل تعيينه باشا على مدينة تارودانت المحروسة سنة 1351هـ/1932م ، تولى مدة قيادة المنابهة زيادة على باشوية تارودانت، وهي المهمة المشهور بها عند الجمهور إلى أن توفي يوم 11 محرم 1365هـ/ دجنبر 1945م. نورد نموذج من أحكامه: عـ356ـدد تاريخ ربيـ2ـع 1357 موافق 20 نونبر 1938السيد عبد الواحد بن عمر الرداني السيد محمد بن اعبيد الهواري ادعى الاول على الثاني ان بهائم كانت مشتركة بينهما راس مالها 665 فرنكا حاز من راس مالها 560 فرنكا والباقي من البهائم الان 34 راسا من الغنم عشرة منها ضان والباقي معز وبقرة اشتراها المدعي بثلاثين ريالا يطلب منه ان يكمل راس المال وتباع البهائم ويقسم الربح انصافا او الجواب اجاب المدعى عليه بالاعتراف الا في راس واحد من المعز قال انه لاوجود له وجميع الغنم انما هي 33 راسا عشرة ضان والباقي معز واما البقرة فان له فيها ثلاثين ريالا يدفعها له وتباع الغنم ويقسم معه الربح انصافا حكمنا بتكميل راس المال ويحلف المدعى عليه ان الراس الدي انكر غير موجود ويحلف ان المدعي ليس له في البقرة الا ثلاثين ريالا ويقسم الربح انصافا بعد بيع البهائم يوم الخميس الاتي ووقع هدا الحكم في البيرُ بمحضر الفقيه القاضي وقايد اولاد يحيى الدي الغنم فيهم وبمحضر ضابط الامور العسكرية الاسلامية السيد الفسيان بويي وحرر في التاريخ اعلاه علموه في تاريخه بيعت الغنم يوم الخميس بالف فرنك وستة وخمسون فرنكا وحاز السيد عبد الواحد منها ماية وعشرين ريالا يعني ستماية فرنك فيها تمن البقرة 150 فرنك والباقي حازه الشريك المذكور بحضرتنا وانفصلت هده الدعوى وحرر في 25 يونيو 1938 موافق 26 ربيـ2ـع 1357 بعد ان كتبنا هدا اعترف الهواري السيد محمد بن اعبيد ان الشركة المذكورة نائب فيها عن عمه مولاي العياشي وان كل ما يأتي للسيد عبد الواحد من قبل ورثة عمه بنته فاطمة وولده محمد ابني العياشي وزوجته الضاوية وهو المتكفل به وحرر في التاريخ اعلاه طابع حجري مستدير احمر بداخله الله خديم امرنا العالي محمد البيضاوي الشنقيطي وفقه الله اتجهت سلطات الحماية إلى العمل القضائي الذي كان يباشره ولاة السلطان من قبل، وعدلته بصدور أول قرار في الموضوع بتاريخ 3 يناير 1913 يخول لممثل الحكومة محليا، الذي ليس سوى مراقب الشؤون الأهلية أو ضابط الأمور العسكرية، للنظر في مجموع قضايا الجنايات والجنح، تسمية القاضي تحيل على المحاكم الشرعية بينما الحاكم تعني القاضي المخزني، هذا الأخير يجمع في شخص الباشا مع المراقب الفرنسي معا أو القائد أو الخليفة، لكن سلطة الباشا بالمحكمة المخزنية تبقى رمزية لأن منصبه سياسي أكثر منه قضائي، كما يراعي في تعيين الحكام المصلحة السياسية قبل كل شيء، فضلا عن خضوع متوليها للسلطة الإدارية ولم يكن له بد من اتماره بأوامرها، فتداخلت السلطة الإدارية بالقضائية وجمعهما في يد واحدة، هو ما جعل القضاء المخزني ويسمى أيضا المحاكم المخزنية يسند لها النظر في قضايا الجنايات والجنح وغيرها من قضايا الأمور الأهلية التي تستوجب الردع في نظر المخزن قبل احداث نظام الشرطة سنة 1947 ، فكانت المحكمة المخزنية عبارة عن مجلس يعقده الباشا أو القائد أو خليفتهما للفصل في الدعاوي المعروضة على المجلس وإصدار الأحكام . في سنة 1944 وقعت أول محاولة لفصل القضاء، فتأسست في سبع مدن محاكم ابتدائية أطلق عليها اسم محاكم الحكام المفوضين حدد لها نطاق ضيق تعمل في دائرته باستقلال عن الباشوات وسميت أيضا محاكم السدد، وقد شغل هذا المنصب بتارودانت وبعض مدن القطر السوسي اسماعيل بن محمد هرماس رحمة الله على الجميع في 3 نونبر 1956، أي ثمانية اشهر بالضبط بعد الإعلان المشترك بين الحكومة الفرنسية وجلالة المغفور له محمد الخامس عن نهاية عهد الحجر واستقلال المغرب. وفي أواخر سنة 1953 أنشئت في المدن الكبرى محاكم إقليمية، لكن دائرة اختصاصها كانت ضيقة أيضا ومنها المحكمة الاقليمية بأكادير التي حولت أشغالها الى قيسارية القائد التيوتي في تالمقلات بتارودانت مرحليا بعد فاجعة 29 فبراير1960، أي زلزال أكادير. بقي أن نشير أنه رغم تعدد المحاكم القضائية في داك الزمن، كان الرودانيون يجنحون الى السلم والمصالحة ونبد الخصام للمطارحة، إما من تلقاء أنفسهم ولما يحتد الخلاف يتدخل وجهاء القوم من الأشراف أو الأشياب أو الأعيان أو مقدموا الزوايا ، وهوما جعل القضايا بتارودانت نادرا ما تصل وتعرض على مجلس المحكمة المخزنية؛ الأمر الثاني لم يسجل التاريخ الروداني ولو جريمة قتل النفس واحدة أو الضرب والجرح أو خيانة الأمانة ـ الرهن ـ عمدا مع الاصرار على الانكار،،، كل ما هو ثابت سنده الشفوي لا يخرج عن نطاق جنحة شرب الماحيا بالملاح أو الزنى بدرب اسمكان أو سرقة بعض أدوات العمل من مكانها في أقبح الحالات، أما السند العدلي كالخلاف حول مقدار الغلل الفلاحية والمحاصيل الزراعية وما ارتبط بهما من ماشية بين الملاك و الشريك بالخمس او الربع، أيضا طلب استخراج نصيب الميراث وحيازة الموروث… كل زمن وعدالتنا بألف خير