رسالة إلى الشعب المصري الشقيق

آخر تحديث : الجمعة 8 يوليو 2016 - 10:44 صباحًا
2016 07 08
2016 07 08
رسالة إلى الشعب المصري الشقيق
C

بسم الله الرحمن الرحيم تحية إلى مصر الثورة، مصر الكرمة والعزة والإباء…

إنني أتابع معكم من موقع المسؤولية الأخلاقية والسياسية، التطورات الدراماتيكية التي تشهدها مصر الكنانة منذ نجاح الشعب المصري في الإطاحة بنظام الاستبداد والفساد الذي أقعد مصر عن لعب دورها التاريخي ليس لخدمة الشعب المصري وحده، وإنما للعب دورها الإقليمي والدولي على نحو يتناسب وما حباها الله به من موقع استراتيجي وكتلة بشرية لا تلين لأي دكتاتوري في الأرض مهما كان جبروته.

إن الشعب المصري، وملايينه الهادرة هذه الأيام في مختلف الميادين المصرية بالملايين من أجل الدفاع عن خيار ارتضاه المصريون جميعا، وشهد العالم برمته على شفافيته، يقدم دروسا ينحني أمامها كل العالم تقديرا واحتراما… ولكنني أريد أن أقدم لكم خلاصة تجربة مُرّة عايشتها عن قرب في الجزائر عقب انقلاب العسكر على خيار الشعب الجزائري عام 1992 وأشتم رائحة تكرارها اليوم في مصر، إذ أن الأدوات التي جرى استخدامها حتى هذه اللحظة توحي أن مصر مُقبلة على أن تخوض حربا أكثر شراسة إذا نجح العسكريون في تمرير خطتهم وجر المعتصمين الصامدين بصدورهم العارية إلى ميدان المواجهات المسلحة..

لقد فعل المتظاهرون خيرا أن وقفوا صامدين وخرجوا نساء وأطفالا وشبابا وشيبا إلى الميادين رافعين شعارات التمسك بخيار الشعب أيا كان، ومرددين شعارات غاية في البساطة لكنها معبرة عن سمو في التفكير وفهم لوقائع الأمور: أنهم باقون في الميادين ما بقي الانقلاب، وأنهم لن يعودوا إلى بيوتهم إلا أن يعود رئيسهم من حيث خلعوه… وعلى الرغم من محاولة بعض المحسوبين على المخابرات العامة لجر المتظاهرين إلى مواجهات شوارع، وقتل العديد من المتظاهرين المؤيدين للشرعية واختطاف العديد من القيادات بل واستهداف عدد من الرموز الدينية إما بالاغتيال أو الاعتقال أو الإهانة والتعذيب فإن المعتصمين حتى هذه اللحظة كانوا عقلاء ولم يردوا على الدم بالدم حتى من باب الدفاع عن النفس..

إنني أقدر عاليا هذه الأخلاق العالية، وهذا الفهم المتقدم لطبيعة المواجهات، وهذه الصورة الملحمية منقطعة النظير في العالمين العربي والإسلامي لكيفية حماية الخيار الديمقراطي والتأسيس لمرحلة جديدة في العالم العربي تقودها مصر التي برفعتها يرتفع العرب جميعا وبسقوطها أو ضعفها يسقط العرب أو يضعفون.. وهذا سلوك ينم عن تعلم من التجربة الجزائرية القاسية التي لازال الجزائريون يدفعون ثمنها حتى يوم الناس هذا، ليس فقط لأن العسكر يحكمهم ويدير شؤونهم بعيدا عن المراقبة الشعبية ويختار لهم رئيسهم بل وحتى نوابهم في برلمان هو أقرب للمسرح منه للحقيقة، بل لأن عشرات الآلاف منهم مجهولي المصير حتى يوم الناس هذا، وآلاف الأمهات والأرامل يبكين رجالهم ويبحثون عنهم دون جدوى..

لقد اخترقت المؤسسات العسكرية والأمنية يومها المحتجين الرافضين لعملية اغتصاب الشرعية التي جرت في وضح النهار وتحت أعين العالم أجمع، وجرهم بأعمال إجرامية إلى عمليا اقتتال راح ضحيتها ما يقارب النصف مليون جزائري، وجاء الرئيس تلو الرئيس ممن أهلتهم المؤسسة العسكرية ولم يفلحوا جميعا في نهضة الجزائر والانتقال بها إلى الحكم الديمقراطي الذي قبرناه مثلما يقبر الناس موتاهم على الرغم مما حبانا الله به من خيرات تحت الأرض مازالت تضخ على بلادنا أموالا لا أول لها ولا آخر، ومع ذلك نعاني هذه الأيام من نقص الوقود، لا بل إن جزءا من الجزائريين يقتات من الزبالة ويغامر بحياته في رحلات بحرية باتجاه الغرب بحثا عن لقمة عيش كريمة…

أيها المصريون الأحرار.. يا من بعثتهم الروح في أبناء الأمة العربية جميعا بأن العرب ليسوا نشازا وأنهم يصلحون لأن يكونوا ديمقراطيين مثلهم في ذلك مثل بقية بني البشر، لا تعيدوا تجربة الجزائر في الانزلاق إلى العنف والرد على سلاح العسكر بسلاح المقاومين الأشاوس، أنتم أصحاب رسالة للبناء والرقي وهم معاول هدم وحرق، فلا تكرروا أخطاء ثبت بالتجربة أنها فاشلة وأنها لم تحقق لإخوتكم في الجزائر إلا القتل والدمار ومزيدا من الفساد ووحدت العالم الحر ضدهم..

إنني أقول لكم هذا من باب التجربة، فقد كنت واحدا من أجهزة النظام الجزائري يومها، وكنت قريبا من أجهزة القرار وأعرف كيف كانت اللحى توزع على المخبرين، ويتم تدريسهم كيفية اختراق المساجد والسهر فيها بل والقيام، وهم في الحقيقة ليسوا إلا أصحاب رسالة للهدم والتنكيل بمشاريعكم..

لا أريد أن أثقل عليكم ولا أن أقدم نفسي معلما لبلاد تقدم اليوم دروسا للعالم أجمع، ولكنني أريد أن أنفع بتجربة مازالت فصولها مجهولة على الرغم من معرفة العالم بها، وهي تجربة الانقلاب العسكري في الجزائر… فلا تكونوا نموذجا جزائريا جديدا وتحولوا بلادكم إلى مسرح للقتال ونحن على أبواب شهر الرحمة… استمروا في الميادين بصدوركم العارية، وأشهدوا العالم أجمع على مظلمتكم التي لا يشكك فيها إلا حاقد أو كاره…

إنني أدعوكم للاستمرار ثوارا هنا في الميادين، وأن تقيموا شعائركم في الميادين حتى تحققوا أهدافكم في نحت الخيار الديمقراطي الذي تنسجونه هذه المرة عن سابق إصرار وترصد، وتقدموه للمصريين والعالم عربونا للانجاز والتقدم..

تحية إكبار لكم من أحرار الجزائر وحرائها الذين يتطلعون إلى يوم تشرق فيه شمس ديمقراطية ناصعة من مصر لتعم بنورها على مختلف الأقطار العربية.