زواج القاصرات بالجزائر.. تفجير القنبلة لتفادي انفجارها

آخر تحديث : الأحد 13 ديسمبر 2015 - 12:34 صباحًا
2015 12 13
2015 12 13

بقلم/ نور الحياة الكبير – الجزائر فتيات قاصرات سُرقت منهن طفولتهن ويواجهن أمومة ناقصة سببها العرف والتقاليد التي انتصرت على القوانين في الجزائر، فوجدت عشرات الفتيات أنفسهن أمام واقع مرير ومجتمع ينعتهن “بالقنبلات الموقوتة” ولا بد من تزويجهن. سليمة (25 عاما) إحدى ضحايا ظاهرة الزواج المبكر، التي أحدثت جدلاً في المجتمع الجزائري وصل حتى غرف البرلمان. تزوجت وعمرها لا يتجاوز 17 عاما. “كنت أدرس في الثانوية شعبة آداب، وكان رجل غني يلاحقني كل يوم من منزل أسرتي إلى المدرسة ويحاول التقرب مني والحديث معي، إلا أنني أبيت الحديث معه. وفي يوم من الأيام دخلت منزلي فوجدت أمي تبرق عيناها سعادة، إذ قالت: لن أطأ المدرسة بعد اليوم كون سعدي قد قدم اليوم وسأتزوج من رجل عمره 41 سنة وهو ثري. ورغم رفضي للأمر إلا أن ضغط أمي وأخواني كان فوق إرداتي، فتزوجت في ظرف شهر. وفي الوقت الذي كانت فيه صديقاتي يحضرن لشهادة البكالوريا كنت أنا حاملا، وبعدها لم يكتمل حملي لأسباب صحية فسقط الجنين. ومع مرور الأيام أصبح زوجي يلاحق فتيات أخريات، ولما اكتشفت الأمر نعتني بكل الصفات وأنه صاحب ثروة وأنا فقيرة وإن أقلقته ثانية سيرمي بي في الشارع. وفعلا، بعد ثلاث سنوات وجدت نفسي مطلقة يطمع فيها الكثيرون”. سليمة ليست الوحيدة التي دمر زواجها طفولتها، فحنان ابنة الـ19 سنة تعيش في الشارع ورفضت أن نلتقط لها صورة ولو حتى لظهرها، إلا أنها روت لنا قصتها. تنحدر من مدينة وهران. بعد أن ضغطت عليها عائلتها للزواج من ابن عمها الذي عنفها يوم عرسها تقول: “هربت، فأنا لم أكن أعرف ماهو الزواج. كنت ألعب في الشارع فوجدت نفسي عروساً بثوب أبيض ويوم عرسي عنفني زوجي فلم أتحمل فهربت وكان عمري 16 سنة، ولم يرحمني الشارع فتعرضت للاعتداءات ولم أستطع العودة إلى أهلي خوفا من قتلي، فهربت إلى العاصمة هنا، أنا أعيش في الشارع وكلما يأتي الليل أرتعب خوفا من أن يأتي شخص مجهول ليغتصبني”.

الفتاة “قنبلة” تنقسم آراء الشارع حول الزواج المبكر، نادية البالغة 42 عاما تعتبر الزواج المبكر للفتيات أكبر جريمة يرتكبها الأولياء في حق بناتهن. وهي ترجع أسباب انتشار هذا الزواج إلى غياب الوعي الفكري لدى بعض العائلات مما فاقم هذه الحالة، كما أن حاجة الأباء للمال وطمعهم أحيانا، تدفعهم لبيع بناتهم إلى أي أحد. كريمة هي الأخرى ترفض هذا الزواج مثل ناديا” أولا الفقر لدى بعض العائلات، وأنا أرفضه لسبب آخر. الطفلة اليوم في سن 15 سنة ليست طفلة الأمس وأنا من بين الفتيات اللواتي تزوجن في سن مبكرة (16 سنة) ولا أريد أن تلقى ابنتي نفس المصير، فجسمها الصغير لن يتحمل الحمل ولا الأمومة ولا المسؤولية في تربية الأولاد، كما أن الطفلة التي تتزوج صغيرة لا تعيش طفولتها كما ينبغي وتكون ناقصة لحنان الوالدين”. محمد متزوج وأب لثلاثة أطفال، وأكد أنه لن يسمح لابنته أن تتزوج إن لم تكن واعية وانتهت من دراساتها العليا وتعرف معنى المسؤولية، ويضيف: “لا تهمني نظرة المجتمع وإنما مصلحة أبنائي”. وفي الوقت الذي رفض فيه العديد الزواج المبكر للفتيات وجدنا مؤيدين له مثل عمي حسان البالغ من العمر 50 سنة، والذي فاجأنا برأيه حين عتبر الفتاة “قنبلة موقوتة” يجب التخلص منها: “أنا لديا ابنة وزوجتها في سن 17. تحصلت على شهادة البكالوريا في العلوم، إلا إنني قمت بتزويجها لأتجنب أن تنفجر القنبلة في وجهي. الفتاة يجب أن تزوج وإلا أفسدت المجتمع لن تنفعها الدراسة وإنما بيتها”. العادات والتقاليد يرى الأخصائي في علم الاجتماع أحمد تركي، أن ظاهرة الزواج المبكر ليست جديدة وإنما هيمن رواسب تقاليد وعادات المجتمع القروي والبدوي وحتى بعض النواحي في المدينة. وسببه في رأيه عائد إلى غياب المستوى التعليمي وغلاء المعيشة ونظرة المجتمع للمرأة، التي تعتقد أن من لديه طفلة و كأن لدية “مشكلة” يريد التخلص منها وسترها ولا يهم إن كان الزوج صغيرا أم كبيراً أو متزوجا. فيزوجونها شرط أن يتم توثيق الزواج بعقد قانوني بمجرد أن تبلغ الفتاة السن القانونية. أضف إلى ذلك أن الزواج المبكر أصبح مجرد “مفخرة” بين العائلات الذين أصبحوا ينعتون من تتجاوز سن الثلاثينات بـ “البوران” والحل الوحيد للحد من الظاهرة، في نظر الأخصائي الاجتماعي: “التعليم هو الوحيد الذي يخلص البنت من الزواج المبكر، زد على ذالك اعتماد البنت على نفسها ماديا حتى لا تجد نفسها أمام مرض الزواج المبكر”. القانون وزواج القاصرات ويرى المحامي والناشط في حقوق الإنسان فاروق قسنطيني في تصريح لـ DW عربية، أن زواج القاصرات لا يكون إلا برخصة مسبقة من طرف القاضي ومبررة، حيث يكون الزواج المبكر مرخصاً في القانون استثنائيا لبعض الحالات كالاعتداءات الجنسية أو برخصة مسبقة لسبب من الأسباب. وأضاف أن الدستور عادة لا يسمح لأي كان بتجاوز القانون وأن تزويج القاصرات دون رخصة قانونية يعد خرقاً للقانون. ولم ينكر قسنطيني وجود فرق بين ما ينص عليه القانون والممارسات في الميدان وأن هناك من يمارس الزواج المبكر رغم القوانين الردعية حيال هذه الجريمة. ومن جهتها انتقدت المحامية بن براهم نص المادة 07 من قانون الأسرة كونه لم يحدد صراحة القاضي المختص بمنح الترخيص، مع العلم أن المنطق ومصلحة الفتاة تفرضان أن يوكل الأمر لقاضي الأحوال الشخصية لدرايته وخبرته في هذا المجال. وتضيف في السياق ذاته أن المادة نفسها تحدثت عن حالة الضرورة والتي بموجبها يمنح القاضي الإذن بالزواج للقاصر، إلا أن المشرع لم يحدد مفهوم حالة الضرورة. 500 حالة في سنة وبلغة الأرقام، تشير الإحصائيات التي قدمتها نورية حفصي الأمينة العامة للاتحاد الوطني للنساء الجزائريات إلى أن ظاهرة زواج القاصرات عرفت منذ بداية السنة الحالية ارتفاعا، حيث سجلت هذه السنة 500 حالة زواج لفتيات لا يتعدى سنهن 16 سنة، مؤكدة أن هذه الظاهرة أخذت ترتفع سنويا، حيث ارتفعت هذه السنة بنسبة 25 من المائة مقارنة بالسنة الماضية. وأشارت إلى أن هذا الزواج يكون في أغلب الأحيان مجرد زواج متعة، ولا تستمر العلاقة الزوجية أكثر من أشهر فقط، وهو أكثر انتشارا في المناطق الريفية الداخلية. وعن المخاطر الصحية لهذا الزواج على القاصرات قال رئيس النقابة الوطنية للأطباء الممارسين الدكتور الياس مرابط: “الولادة في سن مبكرة أشبه بكثير من الولادة في سن اليأس بالنسبة للمرأة، حيث تسبب ارتفاعاً في ضغط الدم ومشاكل في الرحم. وعدم اكتمال جسم الحامل قد يقتل مولودوها في بطنها أو يسبب له تأخراً عقلياً أو عدم اكتمال جسمه”. إلى جانب ذالك يضيف الدكتور مشاكل نفسية قد تصاب بها الفتاة القاصر كالاكتئاب والهستريا القلق. مواقع