سوريا الدمار ( 2 )

آخر تحديث : الخميس 2 مارس 2017 - 1:05 صباحًا
2017 03 02
2017 03 02

سوريا المدن الذبيحة ، حبات العقد المنفرط في ازدراء . حلب الفوضى الاختطاف ، القتل الاقتتال ، التسويات بعيدة المنال ، شائكة المناولة . دمشق الخطوط الحمراء . اللاذقية مدينة الرياح الرطبة الندية، رئة سوريا على البحر منها وبها تتنفس الأوكسجين . صارت مدينة الإعدامات والإعدامات المضادة . إدلب أمست مدينة المجازر والمذابح،وأكل الأكباد الآدمية أمام أعين الإنسان ،تشعلها الكاميرات صورا تبث نحو الشرق ونحو الغرب .

سوريا من يقاتل من ؟ سوريا الفوضى في طريق اللاعودة . سوريا من يدافع عن الوطن ؟ من يدمر الوطن ؟ سوريا من هو البطل ؟ من يكون المجرم ؟ سوريا روايات لا تنتهي في الزمان في المكان في التاريخ في الجغرافيا . سوريا الهروب إلى الأمام إلى الخلف إلى اليمين إلى اليسار . سوريا سوريا سورياااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا

لكن – عزيزي القارئ (ة) – دعونا نلقي نظرة على سوريا عبر التاريخ خاصة من خلال كتاب “رحلة الرحالة المغربي غبن بطوطة الذي عاش خلال القرن الرابع عشر الميلادي ( 1304- 1377م)  يصف مدن سوريا التي مر عبرها في طريق رحلته إلى الصين . في “كتابه تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” ، جاء فيه :

مدينة المعرة : هي التي ينسب إليها الشاعر أبوالعلاء المعري ، وكثير سواه من الشعراء . مدينة كبيرة حسنة ، أكثر شجرها التين والفستق ومنها يحمل إلى مصر والشام . ص 23

حلب : هي من أعز البلاد التي لا نظير لها في حسن الوضع ، وإتقان الترتيب واتساع الأسواق المسقفة بالخشب . أهلها دائما في ظل ممدود . وبها المدارس والمارستان .” المدينة الكبرى والقاعدة العظمى . ص24

دمشق : أهلها لا يعملون يوم السبت ، إنما يخرجون إلى المتنزهات وشطوط الأنهار ودوحات الأشجار ، بين البساتين النظرة والمياه الجارية فيكونون بها يومهم إلى الليل .” … ودمشق هي التي تفضل جميع البلاد حسنا وتتقدمها جمالا ، وكل وصف وإن طال فهو قاصر عن محاسنها . ولا أبدع مما قاله أبو الحسن إبن جبير فيها : وأما دمشق فهي جنة المشرق ، ومطلع نورها المشرق ، وخاتمة بلاد الإسلام ، وعروس المدن … وقد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر والآكام بالثمر ، وقد قال فيها أحد الشعراء :

إن تكن جنة الخلد بأرض    فدمشق ولا تكون سواها . ص28.

وقال فيها عرقلة الدمشقي الكلبي :

وأما دمشق فجنات معجلة                         للطالبين بها الولدان والحور

ماصاح فيهاعلى أوتاره قمر                         إلا يغنيه قمري وشحرور

يا حبذا ودروع الماء تنسجها                        أنامل الريح إلا أنها زور

وتعتبر مدينة دمشق عاصمة الجمهورية السورية من أحد أقدم مدن العالم ، مع تاريخ غير منقطع منذ أحد عشر ألف عام تقريبا . وأقدم مدينة عاصمة في العالم ، أصبحت عاصمة منطقة سوريا منذ عام 635 م .

هناك عدة نظريات في شرح معنى إسم دمشق ، أوفرها انتشارا كون اللفظة سامية قديمة بمعنى الأرض المسقية ، يعود ذلك لموقع المدينة الجغرافي في سهل خصيب يرويه نهر بردى ، وفروعه العديدة مشكلا بذلك غوطة دمشق . وأيضا يتميز موقع المدينة بوجود جبل قاسيون بها .

منذ العصور القديمة إشتهرت دمشق بوصفها مدينة تجارية ، تقصدها القوافل للراحة والتبضع ، بحيث كانت المدينة إحدى محطات طريق الحرير ، وطريق البحر . ثم إحدى المراكز الثقافية المهمة في المشرق العربي . تعرف أيضا بأسماء عديدة منها الشام ومدينة الياسمين . حظيت باهتمام الأدباء والشعراء والرحالة ، نظم في وصفها العديد من النصوص الشعرية والأدبية منها ماكتب فيها ياقوت الحموي قائلا :” ما وصفت الجنة بشيء إلا في دمشق مثله”.

دمشق اليوم للأسف ، مدينة الخطوط الحمراء ، مدينة شي الأكباد وقطع الرؤوس وتصفية الحسابات. وهي التي نظم فيها الشاعر الكبير نزار قباني قصيدته الشهيرة التي عنونها بالقصيدة الدمشقية:

هذي دمشقُ وهذي الكأسُ والرّاحُ                                          إنّي أحبُّ وبعـضُ الحـبِّ ذبّاحُ

أنا الدمشقيُّ لو شرّحتمُ جسدي                                            لسـالَ منهُ عناقيـدٌ وتفـّاحُ

و لو فتحـتُم شراييني بمديتكـم                                              سمعتمُ في دمي أصواتَ من راحوا

زراعةُ القلبِ تشفي بعضَ من عشقوا                                       وما لقلـبي –إذا أحببـتُ- جـرّاحُ

ألا تزال بخير دار فاطمة                                                          فالنهد مستنفر و الكحل صبّاح

ان النبيذ هنا نار معطرة                                                         فهل عيون نساء الشام أقداح

مآذنُ الشّـامِ تبكـي إذ تعانقـني                                              وللمـآذنِ كالأشجارِ أرواحُ

للياسمـينِ حقـولٌ في منازلنـا                                                 وقطّةُ البيتِ تغفو حيثُ ترتـاحُ

طاحونةُ البنِّ جزءٌ من طفولتنـا                                                 فكيفَ أنسى؟ وعطرُ الهيلِ فوّاحُ

تصبحون على عالم من سلم وأمن وأمان ، تعود فيه دمشق مدينة الياسمين تفوح من بساتينه نسائم الفل والرياحين .

الهامش :

المراجع المعتمدة :

  • ابن بطوطة ” تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” . المطبعة الخيرية سنة 1322 هـ
  • عبد الرحيم مودن ” رحلة ابن بطوطة الجديدة ” ، دار الثقافة 1998.