عملية “حذر” المغربية وآفاق توسيعها

آخر تحديث : السبت 2 مايو 2015 - 12:59 صباحًا
2015 05 02
2015 05 02

شيخ الطريقة العمرية: الحسني الادريسي القاسمي العمري عبد الغني

إن خروج بعض أفراد الجيش والأمن بأسلحتهم في الشوارع المغربية فيما سمي بعملية “حذر”، هو عملية استباقية لكل ما يمكن أن يهدد البلاد أمنيا، مما صار بعضه معروفا لدى بلدان أخرى جارة لنا أو شقيقة. وهو خطوة محمودة للحكام في المغرب؛ غير أنه ليس كافيا للتصدي لكل الشرور المحدقة بالبلاد. لا بد في البداية، أن نبيّن أن الإضراب الأخير (29 أكتوبر 2014)، لم يكن في محله بالنظر إلى الظروف المحلية والإقليمية، التي ما كان ينبغي أن يُغفلها الداعون إليه. ولسنا هنا، ندخل فيما لا يعنينا من تسيير نقابي أو توجيه سياسي لأي طرف من الأطراف؛ وإنما نحن نقيّم الفعل بالنظر إلى شروطه الموضوعية، وعواقبه المحتملة فحسب. ولا يخفى عن الناظر المنصف، أن المغرب الآن تتهدده أخطار داخلية وخارجية، لا يمكن أن نهملها عند التهييء لفعل نقابي-سياسي مشروع في أصله، مهما كانت الظروف. ولا بد أيضا أن ننبه إلى أن الاحتكام إلى الشعب وحده -بالمنطق الديموقراطي- غير كاف لضمان حسن سير الأمور، وضمان بلوغ الغايات المنشودة. ذلك لأن شعوبنا العربية عموما (والشعب المغربي أحدها)، شعوب متخلفة، لا تعي دائما حقيقة ما يدور حولها، ولا تُحسن دائما ترتيب أولوياتها؛ وإنما تغلب على نظرها الأنانية الشخصية، ويغلب عليها التعجل، من دون اعتبار لتداعيات ذلك على المدى المتوسط. أما المدى البعيد، فإنه لا يكاد يدخل في اعتبارنا، للأسباب المذكورة. وإن عدم إتقان تشخيص حال مجتمعاتنا بالموضوعية اللازمة، وعدم مصارحة أنفسنا بحقيقة واقعنا، لا يمكن أن ينتج عنهما ما يبشر بخير؛ كما أن كل ما كانت تعرفه الحقب التاريخية السابقة، من إمكان المناورة السياسية، ما عاد متاحا اليوم. إن الظروف اليوم، صارمة ومحدودة الخيارات؛ لا يُمكن أن نتصرف فيها بما كان يناسب سبعينيات القرن الماضي أو ثمانينياته. إن ذلك يعد الآن انتحارا سياسيا، مضمون النتيجة (الموت). غير أنه لا بد في مقابل ما ذكرناه آنفا، أن نقر بوجود نخبة سياسية لدينا، يمكن الاعتماد عليها، من أجل الخروج بالبلاد من المنطقة الحرجة. ولسنا هنا، نتكلم عن النخبة السياسية الرسمية، التي نراها من أسباب ضعف الدولة لدينا من غير شك؛ وإنما نعني كهولا وشبابا ونساء، مثقفين حقيقة، لا تُخرجهم أغراضهم عن موضوعيتهم اللازمة. بالإضافة إلى هؤلاء، وقبلهم، فإن الملك محمد السادس، صار يسبق النخبة السياسية والشعب معا، في الفعل السياسي، رغم الإكراهات الداخلية والخارجية. وهذا، يجب أن ينظر إليه المغاربة، بصفته مكسبا للجميع، ورأسمال ينبغي استثماره في الاتجاه الصحيح. إن الظروف التي نعيشها، لا تسمح بالتملق السياسي الذي كان معروفا في عقود مضت؛ لذلك فإن رأينا، هو توصيف للواقع من غير تجميل يُراد. إن الملك بالفعل، قد برهن عن رقي في التفكير، وبعد نظر وحكمة نادرين في منطقتنا؛ وبرهن عن سمو أخلاق في المعاملة السياسية الداخلية والخارجية، يجدر بها كلها، أن تكون قدوة لغيره من الحكام العرب خصوصا. لكن كل هذا، يبقى محدود الأثر، ما لم يلتحم الشعب به التحاما فرديا قبل أن يكون جماعيا، من أجل تفويت الفرص على الوسطاء غير الأمناء، الذين قد يغامرون بالبلاد كلها، من أجل قضاء مآربهم الشخصية العاجلة. ولقد صار الناس يعرفونهم واحدا واحدا، أو يكادون. إن المغرب اليوم، محتاج إلى “ثورة” (مع التحفظ على المصطلح) للملك والشعب حقيقية؛ تكون أولا ضد الفساد الذي نخر البلاد. والقسط الأكبر من هذه الحرب على الفساد، هو على الشعب لا على الملك، كما قد يُظن. ومن كان ينتظر أن يتتبع الملك الفاسدين واحدا واحدا في البلاد، فإنه يكون واهما؛ أولا لأنه لا يعيش في كل قرية ومدينة، حتى يعرفهم شخصيا، وثانيا لأن الشعب عليه أن يرفض الفساد من نفسه، لا بتوجيه علوي فحسب. نقول هذا، لأن الداعم الأول للفساد هو الشعب؛ ولا يعتذرْ أحد بالضرورة ومنطق المصالح -الذي يُعمل به ضدا على المبادئ والقناعات – عند إعطاء الرشاوى أو عند أخذ ما هو حق للغير؛ فإن هذه الازدواجية ما عادت مستساغة، وقد غدا الفساد الإداري والمالي سرطانا، يكاد يأتي على الجسد برمته. إن المغرب اليوم، أصبح محتاجا إلى إعادة ترتيب “الأدوار” السياسية حقيقة. فأول دور، هو للملك، وله ينبغي أن يكون؛ لكن هو في حاجة إلى تقوية استثنائية، تفوق ما هو معمول به إلى الآن. ونعني بهذا أن شخص الملك ينبغي أن يكون بثقل المؤسسة الملكية كلها. ثم بعد ذلك، ينبغي التأسيس لعمل سياسي شعبي، مرتبط بالملك وملحق به، لا يخضع لسمسرة الحزبيين، الذين ما زالوا يعيشون متخلفين عن الحقبة الحالية بمراحل. ولسنا نتنقص أحدا من سياسيينا هنا؛ وإنما هي الموضوعية، التي تحتم علينا مصارحة إخواننا من أبناء شعبنا بما هو الأمر عليه. ولو لم نكن نعلم من الملك حرصه على البلاد والعباد، واستعداده لتجريب كل جديد من أجل الارتقاء بالوطن إلى مصاف الدول المتقدمة، ما كنا قلنا عنه ما سبق. ولقد كان السكوت أوسع لنا، خصوصا ونحن لسنا في العير ولا في النفير.. لسنا سياسيين، ولا من أصحاب المناصب في جهاز الحكم؛ ولكنه صدق النصيحة الواجبة في مرحلة خطيرة، لا نرى التخلف عن تجاوزها لأحد من الأطراف. إنها المصارحة التي يصارح الطبيب مريضه فيها بحقيقة حاله؛ لا ليثبطه ويحبطه، ولكن ليسير به حثيثا إلى الشفاء التام. نعم، نحن نعلم أن هذا المنطق، غريب عن بيئتنا المتخلفة؛ لكننا نغامر بإبداء رأينا للعموم، مراهنين على شبابنا الطموح، وعلى الأنقياء من شيوخنا وكهولنا، وعلى النساء اللائي قد يفقن الرجال في مواقفهن، أحيانا كثيرة. إن التذمر من الأوضاع التي نعيشها الآن، لا يفيد ولا يُقبَل من أحد، إن لم يصاحبه العمل الصادق الدؤوب، من أجل تغيير معالم الشخصية المغربية، قبل تغيير ما بها. ولا شك أن تغيير الشخصية، يحيلنا من جديد على التربية التزكوية، التي تُخرج الفرد من حيوانيته إلى آدميته، وتُعِدّه لآخرته قبل دنياه؛ والله تعالى يقول: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64]. فهل نطمح حقيقة، إلى أن نكون من العالِمين؟… ذلك ما ستُسفر عنه الأيام، وذلك ما نرجو أن يكون فيه المغرب استثناء بكل معنى الكلمة.