كلاب الراعي رواية العشماوي التى غاص بها ببراعة فى أعماق تاريخ منسي

آخر تحديث : الخميس 26 فبراير 2015 - 10:16 مساءً
2015 02 26
2015 02 26

تنطلق كلاب الراعى الرواية الخامسة للكاتب أشرف العشماوى من مفهوم غير قاصر على السياسة فحسب، ولكنه ايضا تعرض الى الحياة الاجتماعية والانسانية لشخوص الرواية، التى تدور احداثها فى ربوع المحروسة فى فترة حكم المماليك، قبيل تولى محمد على باشا بسنوات معدودة، لم يكتفى العشماوى بالحديث عن الحياة السياسية بشكلها السطحى ، لكنه غاص فى مؤامرات المماليك ومحمد على للاستيلاء على الحكم، ودارت الدائرة بين كل من الالفى باشا وخسرو باشا والبرديسى بك والباب العالى ومحمد على باشا والقنصل الانجليزى والفرنسى وقنصل النمسا، حيث تتوالى المؤامرات التى صيغت بحرفية وتفصيلية زادتها بعدا انسانيا فوق بعدها التاريخى، ليغوص العشماوى فى اعماق النفس البشرية وشهواتها، وعلاقاتها المتضادة والتكاملية. نجح الكاتب ببراعة فى ان يغوص فى اعماق تاريخ منسى، واستطاع باستخدام ‘التفصيلة ”كعنصر اساسى فى الحكى، فى صناعة عالم مواز لحياتنا، يبعد عنا اكثر من قرنين من الزمن، لتطل علينا مصر ”المحروسة ”باماكن تحمل اسماء مختلفة عن عالمنا ك قرية منوف …نيل الجيزة …الغورية …سجن العرقانة ..ميدان الرميلة …ميدان الجمالية وغيرها، ويطل علينا ايضا هذا العالم بزى مختلف واسلحة مختلفة وعبيد ومماليك وصراعات جدلية يتوقف امامها المرأ كثيرا . ”يا ولدى انتم تثورون على ظالم لتأتوا بأشد منه ظلما ، لا تراهنوا على القوى فقط، وانما اختاروا العادل الذى يراهن علينا نحن المستضعفين .” ورغم واقعية الرواية الا ان الكاتب جعل بطل روايته يبدو كبطل اسطورى او شعبى، ليظهر لنا الشاطر حسن الذى تعمد الكاتب اعطاىءه هذا اللقب، ليفتح لنا المجال مابين تصديق وجوده الواقعى ”الحسن بن جمال الدين الرومى ” ووجوده الاسطورى ”الشاطر حسن ”، ومابين الوجودين مابين المشرق والمغرب، فبينما ينتصر الشاطر حسن الاسطورة فى الحواديت ويتزوج فى النهاية بالاميرة الحسناء، ينتهى الحال بالحسن ابن جمال الدين الرومى فى سجن العرقانة، فى مكان مظلم دون محاكمة ولاجل غير مسمى، دون ان يتزوج من المرأة الوحيدة التى احبها ”نورسين ”، ليقف القارىء فى النهاية دون ان يدرى ايهما انتصر على الاخر …الخيالى أم الواقعى . ثم ينقلنا العشماوي ببراعة بين الضدين ”كمال والحسن ”، الاخين غير الشقيقين، حيث بدت العلاقة بينهما تكاملية ضدية، فكل منهما كان سببا غير مباشر فى وجود الاخر، فلولا تواجد المماليك بسطوتهم التى يمثلها كمال، لما تواجد الحسن لمواجهتها، ومحاولة كشف الحقيقة، ولولا وجود الحسن ”الثورى الذى يخرج عن القطيع ” لما تواجد كمال الذى يحاول دوما ان يعزز اركان سطوته، ويضرب بيد من حديد، ورغم ان كلاهما كان يمثل تهديدا للاخر، الا ان كلاهما كانت بداخلهما رغبة دفينة فى الابقاء على هذا التهديد، وربما لشعورهم بارتباط حياتهما معا، ففى كل محاولات كمال للقضاء على حياة الحسن، كان يتراجع عنها بعبارات مثل ”اريده حيا ” ”اطلقوا النار على ساقيه ” ثم ادعاء موته …الحيلة التى لجأ اليها كمال حين قدم رأس احد العبيد بدلا من اخيه، والحسن حين صنع جنازة غير حقيقية لكمال، وكما ارتبطت حياتهما معا، انتهت معا فكمال لقى مصرعه بينما الحسن ينتظر مصيره فى سجن العرقانة، دون اى اشارة الى ان مصيره سيختلف كثيرا عن اخيه. بعض التفاصيل صنعها العشماوى بحرفية، لتتجلى فى بعض الاحيان، ويصبح لها صدى، ففى تفصيلة ”النظر الى الكف الايسر ”التى ظلت ملازمة لكمال حتى فى اوج قوته، لتكشف بواطن ضعفه، فتلك التفصيلة التى لاتتعدى العشرين حرفا، تقول كلاما ابعد من ذلك بكثير، وتغوص فى اغوار النفس البشرية . …. التفصيلة الاخرى التى تكررت عبر الرواية ”آن لهذا البلد ان يستقر ”والتى باتت مفتاحا لكل المؤامرات السياسية، لتنقل لنا زاوية اخرى عن الاستقرار والتلويح به . كلاب الراعى ”الاسم الذى بدا كلاسيكيا، لكنه لم يكن كاشفا للرواية، مما جعل القارىء يحاول الوصول الى مقصودية العنوان، وعلى الرغم من ان الاسم ظهر فى اكثر من موقع بالرواية، ان كلاب الراعى هم المماليك، حين كان المصريين يهتفون ”يا برديسى يا كلب الراعى …روح خدلك عضمة من الوالى ”الا ان العشماوى لم يعلنها بشكل مباشر ليفتح الباب للتأويل، وخصوصا حين تساوى الجميع فى النهاية المماليك ومحمد على، فبدا العنوان اكثر شمولية، ليشمل كل الذين يسعون الى الحكم، وينقضون عليه حين تسنح الفرصة، بينما يتظاهرون بعكس ذلك، فكما اطلقها محمد على على المماليك فى مقولته ”هؤلاء الذين تحسبهم زاهدين، ينتظرون الفرصة للانقضاض على القلعة فى اى وقت، مثلهم مثل كلاب الراعى يسيل لعابها طمعا فى الشاة التى ذبحها امامهم ” فدون ادنى حرج من الممكن اطلاق تلك المقولة على محمد على، الذى تمنع فى البداية، وما ان اعتلى العرش حتى قام بتثبيت حكمه، بشتى الوسائل التى لا تختلف كثيرا عن وسائل المماليك. ومابين الواقع والثورة، الجنون والعقل، العاطفية والواقعية، ينهى العشماوى روايته بناجى الذى ارسل فى بعثة تعليمية من بعثات محمد على، وتعتبر هذه البعثات اهم انجازات عصر محمد على ورسالة من العشماوي ان التعليم هو الحل، بينما يقبع ابوه المملوكى خلف التراب بلا رأس، وعمه فى سجن العرقانة ينتظر مصيرا مجهولا، ليصنع الكاتب المفارقة التى تزيد الرواية عمقا ، وتوضح الفجوة الكامنة فى النفس البشرية، والتى تشبه الفجوة بين مذبحة القلعة وارسال البعثات للخارج، وفى النهاية اتذكر المقولة التى تقول ”من لم يتعلم من التاريخ يكرره ” الى متى سنظل نكرر التاريخ ؟؟