لا سيدي بنكيران…حاجتنا أشد إلى الفلسفة والآداب

آخر تحديث : السبت 2 أبريل 2016 - 2:01 مساءً
2016 04 02
2016 04 02

بقلم /عبد المجيد طعام أعلن “عبد الإله بنكيران” رئيس الحكومة المغربية أن ” مسالك الآداب والفلسفة لا تُنتج الثورة وبالتالي فالمغرب ليس بحاجة للشعراء لإنتاج القصائد”. وأضاف في كلمته التي أثارت ضحك الحضور، أن المغرب في حاجة إلى إنتاج الثروة وليس بحاجة إلى شعراء ينثرون القصائد. عود بنكيران المغاربة على خرجاته وتصريحاته التي تثير نوعا من الضحك المجاني مع إخفاء ذكي لخلفياتها السياسية والفكرية بحكم أنها تصريحات تستند على المرجعية الدينية القائمة على التراكمات الفقهية وهي من صميم ما يحمله ويدعو إليه رئيس الحكومة ويتبناه حزبه ” العدالة و التنمية “. في تصريحه الأخير يسعى السيد بنكيران إلى تمرير تأويله الخاص للخطاب الديني المتشكل من قراءته لتخريجات مجموعة من فقهاء تعاقبوا على أحقاب تاريخية مختلفة وهي تتعارض من حيث الفهم مع حقيقة العقيدة ورؤيتها للحياة والإنسان في علاقته الطبيعية بضروب الفكر و الفن المتنوعة . عندما يصرح السيد رئيس الحكومة على المباشر بعدم حاجتنا للآداب والفلسفة والشعر لأنها حسب معتقده أمور تافهة بما أنها لا تنتج الثروة وبالتالي يستطيع المجتمع – حسب معتقده دائما- أن يعيش حياة مطمئنة في غياب الثقافة، فعندما يطرح هذا التصور إذن فإنه في واقع الأمر يعلن عن مشروعه المتمثل في إقصاء الفكر و الإبداع من المجتمع والتضييق على المفكرين والأدباء والفلاسفة والعمل على نفيهم. لا يدرك رئيس حكومتنا أن إعدام الفلسفة، هو إعدام صريح للعقل و إقصاء للإنسان المفكر العاقل وهذا ما يتنافى مع الطبيعة والخلق في نفس الآن فعندما خلق الله الإنسان خلق معه العقل ليفكر وبواسطته استطاعت الإنسانية أن ترتقي سلم التحضر لتختلف عن باقي الموجودات التي قد تتحرك بالغريزة فقط. التاريخ الإنساني يعج بالشواهد والأدلة على أهمية الفكر والفلسفة في بناء مجتمعات راقية ومتطورة، التاريخ العربي هو الآخر لم يشهد التطور الملفت للنظر إلا بعد نشوء الفلسفة العربية بفعل التلاقح مع حضارات مختلفة وتطور النزعة العقلانية إلى درجة أن الحضارة العربية تحولت في زمن سلطة العقل إلى شمس أشرقت على الغرب واعترف بإشراقها المستشرقون الغرب قبل العرب ولم تشهد المجتمعات العربية الانتكاسة الحضارية إلا حينما تمت محاربة العقل و الفلسفة باسم الدين وإلا حينما انبرى مجموعة من الفقهاء الأصوليين على هدم صرح الحضارة العربية الإسلامية بمعاول التطرف والتأويلات المخالفة لأصل العقيدة الإسلامية، فأنتجوا خطابا دينيا يعتمد على المنع والإقصاء لا الحرية والبناء. أمور غابت عن رئيس الحكومة المغربية أو غيبها لتمرير مشروع حزبه القائم على نفي دور الفكر والفلسفة في بناء وتغيير المجتمعات بل أكثر من هذا ينفي رئيس حكومتنا أيضا أهمية الشعر والآداب عامة ويقلل من أهميتهما في إرساء قواعد مجتمع متوازن تسوده القيم والأخلاق، ألم يكن ميخائيل نعيمة صادقا عندما قال: الإنسان لا يحيا بالخبز وحده…. حينما ندعو إلى الاستغناء عن الشعر والآداب إنما نصدر عن فهم ضيق للمجتمع لأننا ندعو في الحقيقة إلى إقصاء الفن و الإبداع من حياتنا، و إقصاء الشعر هو إقصاء لكل مناحي الإبداع، إقصاء للمسرح، إقصاء للرسم، إقصاء للموسيقى، إقصاء للنحت وإقصاء للإنسان نفسه . لا يختلف إثنان في كون ما نعانيه من تخلف و تفكك وتفسخ وانهيار إنما نتج عن غياب الفنون عن حياتنا اليومية، والفن من شأن تهذيب النفوس وتربية الذوق و الذات على الحب والإيخاء والتسامح والتعايش . مجتمعنا العربي يعاني من تدهور التعليم وانتشار الأمية والجهل وتغييب القيم والأخلاق وهيمنة الفكر الظلامي المتشبع بتخريجات وتأويلات فقهاء أفسدوا على الناس عقيدتهم واستعبدوا عقولهم إلى درجة أن أصبح ينظر إلى الفكر الحر المؤمن بالاختلاف والديمقراطية والحداثة وكأنه كفر يجب محاربة حامله وهكذا ساهم الفكر الظلامي في إقصاء المفكرين واختطف ريادتهم، فلم نعد نلمس أثرهم ودورهم، في المقابل عمل الفكر الظلامي على تناسل عدد كبير من الفقهاء بمرجعيات أصولية متخلفة اغتنوا بالمتاجرة في الدين وتحولوا إلى نجوم في الفضائيات واليوتوب يمطرون الشعوب العربية باغرب الفتاوى التي لا يستسيغها الدين نفسه ولا يقبلها العقل، ولا عجب في ما وقع و يقع يوميا إذا علمنا حجم الامتيازات التي تقدم لمحاربي الفكر والفلسفة فقد عبدت لهم الطرق ليؤسسوا أحزابا وجمعيات و وسهلت لهم السبل ليصعدوا على المنابر ليبثوا فكرا قاصرا ضيقا متعصبا ومتطرفا . المجتمعات بحاجة إلى إنتاج الثروة، لا نختلف مع رئيس الحكومة في هذه القاعدة و لكن لا نتفق معه في الدعوة إلى إقصاء المفكرين والفلاسفة والشعراء ، واقع الحال يفضح مؤامرة إقصاء العقل والفكر في كل المجتمعات العربية ولنا أن ننظر إلى النتائج الكارثية المخيبة للآمال، نعيشها في كل لحظة من أيامنا المخجلة و يريدون أن نتعايش مع واقع الخجل و السقوط وأن نقبله على أنه الوضع المطلوب والمنشود ولكن في الحقيقة وجب أن نرفض المشروع المسكوت عنه لرئيس الحكومة وجب أن نتشبث بإيماننا القوي بدور الفكر والفلسفة وأهمية الثقافة باختلاف مضامينها ومشاربها وأن نعمل من أجل استرجاع سلطة العقل لأنها المنفذ الوحيد نحو حياة أكثر سعادة وعطاء وثروة . المجتمع كيان متكامل، الإنسان هو ثروته الحقيقية وهو منتج الثروة التي تحفظ حقوقنا و مصالحنا . يبنى المجتمع بمدى قدرتنا على إنتاج مشروع مجتمعي تصان فيه حرية التفكير والإرادة والاختيار لكل فرد اعتمادا على إيمان قوي بالديمقراطية والحداثة واحترام صارم للقانون وثقة كبيرة في سلطة العقل وقدرته على أنتاج الثروة والفكر معا