مجلس اليزمي ينافس بونابرت

آخر تحديث : الأربعاء 16 ديسمبر 2015 - 1:26 مساءً
2015 12 16
2015 12 16

بقلم/ذ كريم سعيدي ” وهل ترك نابوليون بونابرت الجيوش والحروب وتفرغ للتوقيع على الصحون والأطباق” عبارة رددها الزعيم عادل امام في مسرحيته الشهيرة “الواد سيد الشغال” للتعبير عن التفاوتات الاجتماعية بين الأغنياء الفقراء وتجلياتها في نمط التفكير ونظرتهم للحياة من خلال تاثيث المنازل بصحون ممضاة من طرف شخصيات تاريخية(نابوليون مثلا)، في حين أن الفقراء ينظرون إليها باعتبارها مجرد صحون تشبه إلى حد بعيد الأطباق المستعملة في بيوتهم في تلميح إلى أن الذوق ومسألة تربيته تعد انعكاسا لانتماء الفرد الاجتماعي. وذهب بطل المسرحية بعيدا إلى تجسيد العلاقة بين الفئتين في قالب درامي وتراجيدي وذلك بجعل اختيارات الفرد الشخصية(الزواج مثلا) محط تحكم ووضعها موضع سلعة تخضع للعرض والطلب. هذا وفي خضم النقاشات التي يعرفها بلدنا المغرب والمتعلقة بالتأسيس لدولة المؤسسات وتحقيق الانتقال الديمقراطي، لم يجد المجلس الوطني لحقوق الإنسان منها سوى الخروج بتوصية تتعلق بالمساواة بين المرأة والرجل في الإرث؛ خاصة وأنه مؤسسة دستورية تشتغل في ظل دستور يحدد شكل الدولة ونظامها وطبيعة أسس حكمها. ونحن سنردد المقولة ذاتها التي رددها الزعيم، المجلس الوطني لحقوق الإنسان ترك الحقوق الاقتصادية والسياسية والثقافية و…ووجد طوق نجاة للمغاربيات من الحيف والتهميش الذي يعشنه في مساواتهن مع الرجال في الإرث. لقد خرج هذا المجلس من حرب ضروس حقق فيها للنساء العاملات في الضيعات والحقول مساواة في الأجر وحقهن في الاستفادة من التغطية الصحية، وانتهى من مواجهة فكرية تدعو أصحاب المال الأعمال إلى النظر للعاملات في المصانع والمعامل نظرة إنسانية بعيدا عن أشكال المساومة والاستغلال بشتى أنواعه، واختتم جولاته التشاورية لتمكين المرأة في البوادي والقرى من حقها في التطبيب والعلاج….هذه فتوحات مجلسنا الموقر التي حققها في أحلامه بعد ليال متعبة من النقاشات داخل الصالونات كانت الكؤوس تصدر أصواتا بالمدن الكبرى والسفريات الشاقة إلى عواصم العالم وتعب الطائرات والسيارات في الحل والترحال. انه مسار يحدد خط سيره والذي ،طبعا،يستبعد القرى والفيافي من حساباته. فلمن يا ترى تقدم نتيجة هذه التوصية؟ ومن المستفيد من ثمارها؟ ومن هي صاحبة العيون السود التي من أجلها تقدم هذا المجلس بهذه التوصية؟ أسئلة كثيرة ومتناسلة تطرح نفسها بإلحاح وتفرض علينا البحث عن إجابات في إطار هذا النقاش العمومي حول السياسة وأبعادها والثقافة تمظهراتها، حتى لا يتحول هذا النقاش إلى سوق تعمه الفوضى والعبث. و طالما أن كل مؤسسة بما فيها السوق تخضع لضوابط وقوانين تحمي مرتفقيها من تجاوزات من أوكلت لهم مهمة الاشتغال داخلها. فقانون العرض والطلب في مجال الاستثمار يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الفئة التي يقدم لها المنتوج المراد تصنيعه والذي يدخل ضمن دراسة السوق؛ والعرض الذي قدمه المجلس الوطني لحقوق الانسان وبما هو منتوج ثقافي، دون الدخول في اختصاصاته، كان ينبغي عليه الإلمام بطبيعة هذا المجتمع الذي يوجه إليه “عصارة تفكيره” . هذا المجتمع يعد مجتمعا عربيا إسلاميا، ليس بمنظور الانغلاق، يشكل الدين الإسلامي ثابتا رئيسيا في تشكيل شخصيته ويعرف أيضا، اختلالات على المستوى الفكري والثقافي ترتبط بتفشي الأمية والجهل وتدني منسوب القيم نتيجة ما تعرفه المدرسة من أزمة ومعها مؤسسات التربية والتنشئة الاجتماعية.فلمن إذن توجه توصيتك يا مجلسنا الموقر؟ فإذا كان هناك عقل يريد أن يفرض على مجتمع تغييرا بالقسر فكمن يريد أن يستنبت شجرة في تربة غير تربتها، فإما أن تذبل وتتساقط أوراقها ويصيب أغصانها الجفاف أو تطرح ثمارا مرة لا يستسيغها جوف بني آدم. فإذا خبل للبعض أنهم يفتتحون ثورة ثقافية في ظل التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، ويسارعون إلى كتابة وصفة دواء لهذا الداء العضال الذي يستعصي معه كل تقدم وتطور، فينبغي أن يكون ذلك بعض تشخيص دقيق وفحص متأن على أن تقدم جرعات الدواء في تناسب مع وزن المجتمع وقدراته الفكرية والذهنية حتى لا يعطي هذا الدواء نتيجة عكسية. دون أن ننسى أن الفرق بين الدواء في المجال الطبي تكون مؤشراته واضحة في الغالب أما دينامية المجتمع فلا يرصدها الا المتخصصين وذوي الخبرة لأنها الا ترى بالعين المجردة والمشاهدة العيانية العادية.