مناسبة عاشوراء ذكريات زمان تارودانت

آخر تحديث : الخميس 6 نوفمبر 2014 - 1:53 صباحًا
2014 11 06
2014 11 06

بواسطة دنيا بريس شهر محرم أول أشهر السنة الهجرية وثالث الأشهر الحرم ـ ذو القعدة، ذو الحجة، محرم ورجب الفرض ـ التي حرم فيها الاقتتال والقتال في الجاهلية والإسلام، ما لم تنتهك حرمات المسلم. وجعل فيها عوضا عن ذلك مغانم اجتماعية واقتصادية في الجاهلية وأسرار قدسية دينية بعد البعثة المحمدية منها يوم عاشوراء، مناسبة دينية يُحتفل بها في بعض أقطار الأمة الإسلامية عامة والعربية على الخصوص، خصوصيتها المتميزة تختلف من قطر عربي إلى آخر ومن منطقة لأخرى داخل نفس القطر الواحد.العاشر من محرم و يسمى يوم عاشوراء، يوم عظمه الله تعالى قبل أن يكون كذلك أيام الجاهلية. يتخذه اليهود عيدا وكان أول فرض للصيام عند المسلمين قبل شهر رمضان. روى الإمامان الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهم أن رسول الله ـ ص ـ قدم المدينة المنورة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله ـ ص ـ ما هذا اليوم الذي تصومون؟ فقالوا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنحن نصومه، فقال رسول الله ـ ص ـ فنحن أولى بموسى منكم، فصامه رسول الله ـ ص ـ وأمر بصيامه. وجعل الرسول الأكرم لصحابته منهاجا نبويا إسلاميا يتميزون به عن أهل الكتاب من اليهود بعدم إفراد يوم العاشر من محرم لوحده بالصيام تشبها باليهود، بل ندب وأكد صيام تاسوعاء وعاشوراء أو عاشوراء وإحدى عشر، أجمع الفقهاء المفسرون على استحباب الصيام فيها، قال الإمام النووي وغيره حصل الإجماع على أنه ليس بفرض وإنما هو مستحب، عاشوراء في السنة النبوية بالعالم العربي والإسلامي هي مناسبة دينية في مجتمع المسلمين لإحياء وتجديد روح الإيمان وإذكاء النفس المؤمنة، والتواصل بين المعارف وصلة الأرحام، كما تكون مناسبة للذكر والابتهال إلى الله بالحمد والشكر والصلاة والسلام على المصطفى فرادى وجماعات في بيوت الله وبيوت المؤمنين. بالمغرب الحبيب وقبل عقود خلت بل ولم لا قرون، عرفت احتفالات عاشوراء تغيرات دينية نسبيا، شيئا فشيئا بالدرجة الأولى مند تأسيس دولة الأدارسة وهبوب رياح التصوف المشرقي على المغرب من خلال الحج بحثا عن الاستزادة من مناهل العلوم الشرعية وجلب واستنساخ كتب الفكر الإسلامي ، فتحولت شعيرة العبادة إلى عادة اجتماعية واقتصادية وانقلبت بالتدريج الشعائر الدينية إلى طقوس فئوية يحكمها اجتهاد المعتقد الطائفي، ولئن كان عقد جلسات الذكر والورد الجماعي وهو أمر مرغوب فيه ومأجور عليه، لكن ربط طقوس عاشوراء بزاوية معينة والتماس بركة سرد الورد والتماهي في ذلك، فيه إعطاء قدسية للمكان كقدسية بيوت الله وتحميل الورد ما لا يحتمل من السنة المطهرة؛ ومع ذلك فإحياء عاشوراء بالمغرب لم يخرج قط عن النهج السليم ولم يزغ عن المسلك القويم مثل ما هو متبع بالعادة في بعض بلاد الإسلام بجنوب شرق القارة الآسيوية ذات الاثنيات الدينية والمشرق العربي لدى طائفة الشيعة حيث زاد أحياء عاشوراء عن اللزوم، وتجاوز حدود المقبول والمعقول حيث يتم الاحتفال بالمناسبة على أنها بالدرجة الأولى إحياء ذكرى مقتل سبط للنبي ـ ص ـ ثالث أئمة أهل البيت الإمام الحسين بن فاطمة الزهراء سليلة العطرة النبوية وعلي بن أبي طالب الهاشمي القريشي رابع الخلفاء الراشدين، نظرا لتزامن وتصادف الحدثين في الزمن، ما اصطلح عليه في التاريخ الإسلامي موقعة كربلاء ببلاد الرافدين ـ العراق ـ . أول تجليات ذلك ارتداء اللباس الأسود كمظهر حداد وتعبير عن الحزن الكبير والأسى العميق وزاد بعضهم على ذلك البكاء والنحيب وبالغ غلوا البعض الآخر في ولطم النحور وسياط الظهور بالسلاسل المجلجلة وضرب الرؤوس بالفؤوس، فيما الأصل النبوي عبادة صيام وتعبد نسكي وقيام. لما توفي إبراهيم بن رسول الله ( ص) اتفق أن الشمس كسفت يومئذ؛ فقال قوم‏:‏ إن الشمس انكسفت لموته، فخطبهم رسول الله فقال‏:‏ ‏”‏إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة‏”‏‏، مما يفيد أن الإنسان مهما على شأنه وارتفع مقامه فهو انسان و ابراهيم الابن هو أقرب رحما ومقاما من الحسين الحفيد. لعل أهم ما يميز مناسبة عاشوراء محليا بسوس وحاضرته تارودانت ذات التجدر التاريخي والتي حافظت على المظاهر التقليدية وخصوصيتها التاريخية هو المظهر الاقتصادي والرواج التجاري المناسباتي الذي تعرفه بعض المحلات ونقط البيع لمنتجات بعينها، وهكذا تزدهر بالخصوص تجارة لعب الأطفال باعتبار المناسبة خاصة بهم بالدرجة الأولى، مناسبة احتفال الصغار قبل الكبار،قبل عقود كان الأمر يقتصر على بعض اللعب مثل صنع العرائس من أطراف القماش والخيط الصوفي يشكل فوق قصبتين متعامدتين تقوم بالعملية غالبا الأمهات ليمنحن الهدية للبنات، ثم اللعب الخاصة بالذكور تصنع بمواد أولية طبيعية كالجلد والعود أو الجلد والطين، تقرع بأصابع اليد ـ آلات الضرب ـ كالدف الفردي) التعريجة أو البندير ( والمزدوج ) لطام طام ( ثم آلات النفخ كالمزمار القصبي ) ليرة ( ثم لاحقا خلال عقد السبعينات من القرن الماضي بدأت تظهر بعض اللعب ذات الصبغة الصناعية أو المستوردة والتي لا تخرج عن نطاق التعامل الموسيقي في النفخ أو الضرب الموجودين محليا )لارمونيكا والبيانو (، فيما الأطفال الذين يعانون الحرمان يلجؤون مع ذلك لابتكار القطار يشكل من علب مصبرات السردين وتشكل العجلات من علب حليب بوريسيما بعد ضمها بالسلك من الوسط المتقوب. قبل أن يستفيق جيل اليوم على اكتساح كامل وغزو شامل للسوق المغربية وإغراقها بمنتجات الصناعة الإلكترونية والبلاستيكية بمختلف أشكالها وأنواعها وأحجامها الجامد منها والمتحرك الذي يشغل يدويا أو بآلة التحكم، هذه التجارة التي يصدرها التنين الأصفر عملاق صناعة اللعب البلاستيكية بالقارة الأسيوية، والآباء والأمهات يقدمونها للأطفال قنبلة موقوتة في شكل هدية بمناسبة عاشوراء من حيث لا يعلمون أن جلها، الرخيص منها على الخصوص، أصله نفايات تم إعادة تحويلها recyclage وتصنيعها خصيصا للتصدير نحو الخارج، ومنها ما يحتوي على مواد كيميائية مسرطنة وهذا ما أثبتته التجارب وأقرته مختبرات علمية معتمدة وطنيا وثم التنبيه له إعلاميا لكن لقد أسمعت لو ناديت حيا …ولا حياة لمن تنادي !!! حسب العدد الأخير من صحيفة la vie economique أنفق المغرب هذه السنة على استيراد اللعب وأدوات الترفيه والرياضة من الصين على الخصوص ما يفوق 386 مليون درهم أي 10464 طن من لعب عاشوراء، لو أنفق هذا المبلغ على استيراد اللوز الإسباني والكاكاو الكامروني والشريحة التركية ـ أول البلدان في التصدير ـ لما بقي بيت مغربي في عاشوراء بدون احتفال بمواد غدائية طبيعية دونما حاجة لإهداء خيرنا لغيرنا ـ العملة المغربية الى الصين ـ وحفظنا بلدنا مخاطر المواد الصناعية المسرطنة. لقد فظل الآباء والأمهات مسايرة العصر واقتناء لعب البلاستيك من السوق،عوض اقتناء المكسرات بمختلف أنواعها ” الفاكية” كالفواكه الجافة المملحة كاللوز والكاكاو والحمص والجوز والفواكه الجافة الحلوة كالثمر والعنب والتين المجففين ـ الزبيب والشريحة ـ هذين الأخيرين تبث طبيا فوائدهما الصحية واحتوائهما على نسب عالية من الأملاح المعدنية وضرورة تناولهما يوميا دون حصر ذلك بمناسبة معينة أو احتفال. يضاف إلى هذا التقليد بمناسبة عاشوراء ازدهار رواج تجاري آخر يعرفه سوق العطارين كحبوب السمسم sésame ـ جنجلان ـ والأنيسون ـ anisـ حبة حلاوة ـ و الشمر) fenouilالنافع ـ لتحضير حلويات منزلية تتخذ أشكالا مختلفة تسمى تداولا بالقريشلات أو الدبيلجات او المقرط، لا ننسى أن هذه البدور تستخدم في المختبرات الصيدلانية لاستخلاص زيتها وتحويله الى أدوية طبية، واليوم ثم تعويضها في إطار البحث عن جديد الحلويات المغربية بالفلفل الحارـ السودانية ـ والفلفل الأسود ـ الإبرار ـ والملونات الاصطناعية وهذا التجديد ضرره أكثر من نفعه. تخلط جميع العناصر الغذائية السابقة الذكر في إناء ويقدم منها بقدر حفنة اليد هدية للأطفال للتحلية أو طبق للأحباب والجيران بمناسبة عاشوراء، كما تقدم في مائدة اللمجة العائلية مرفوقة بالشاي المنسم بالأعشاب او فنجان قهوة سوداء خفيفة بلدية معطرة، أساسها الشعير المحروق فوق الجمر بلطف وعناية في إناء طيني يسمى الفراح ثم يطحن في الرحى الصخرية بعدها يمر من المنخل ليستخلص دقيق القهوة ثم تضاف له مجموعة سبعة عطور معروفة لدى العطار بتخليطة القهوة البلدية أهمها المسكة الحرة والقرنفل والقرفة… من بين فنون الطبخ الخاصة بالمناسبة “ رفيسة عاشور” أساسها بقايا الخبز الذي يحضر بمقدار زائد عن الحاجة اليومية مند الأمس ) الأصل خبز الفرن بارد (يقطع قطعا صغيرة ويسقى بمرق العدس والبصل تقطيع مشنف والقليل من خضر الشربة تقطع مكعبات صغيرة و مقدار حفنة اليد من الفول البلدي وبضع حبات الحلبة مقدار ثلاث أصابع وفصوص الثوم والفلفل الحار وزيت الزيتون الحرة الصافية والبهارات القوية النسمة، طبعا دون نسيان العنصر الأساسي المناسباتي، قليل من هبر القديد أو الخليع بعد إزالة الدهن، وتمام الشهية إرفاق الأكلة بكؤوس الشاي المنعنع المشحر. شربة أو أكلة “الشّرشم” أساسها حبوب القمح الصلب المكسرة ـ هربل ـ وشعير البور المفسخ والذرة البيضاء البلدية والفول الرقيق غير منزوع القشرة، يتم وضع هذه العناصر من الليل كآخرعمل بالمطبخ قبل النوم لتنقع في الماء البارد، في الغد يصفى الماء ويعوض بمقدار معين جديد مع كأس أو إثنان بحسب الحاجة من زيت الزيتون التي تحفظ في أنواني الطين كالقلل الصغيرة والكبيرة ـ خابية ـ، توضع كافة العناصر في القدر ويضاف اليها كرعين الأضحية لإعطاء الأكلة نكهة ” التشواط ” أو القديد أو الخليع؛ بعد إزالة طاجين الغداء من فوق “مجمر سركوس”ثلاثي الأرجل، يضاف الفحم الخشبي بكثرة وتوضع فوقه القدر مع الحرص على التحريك بمغرف خشبي من حين لآخر و معس الخليط لدر النشا بين الفينة والأخرى وعدم إضافة ماء بارد، في الأخير بحسب الرغبة يضاف الحليب لتصبح الأكلة شربة أو تركها أكلة كل ومعدته!!! أخيرا أكلة الكسكس المغربي التي لازالت متداولة يوم الجمعة الى يومنا هذا في مجموع ربوع الوطن، ما يميز الكسكس “العيشوري” هو تعويض اللحم بالقديد و “ الكرداس” و لا مكان للخليع، فتشم للأكلة تفور رائحة تأبى الإعتقال في المطبخ فتتسلل من البيت يتلصصها الجيران بأنوفهم مجبرين على ابتلاع ريقهم في انتظار وصول نصيبهم من كسكس عاشور في إناء الجيران محمولا في طبق سعْف النخيل المسمى ـ أكنين ـ، وقد يتم الإتفاق المسبق بين الجيران على الإعداد الجماعي والضيافة المشتركة والأيادي المتعددة في القصعة الواحدة، فتكون مناسبة لتوطيد صلة التضامن وقرابة الجوار وقضاء لحظات مرح وفرح و ترويح عن النفس في خصوصية نسوية مغلقة، وهي الفرصة الإستثنائية الخاصة بالأسرالرودانية العريقة يتوارث سر المهنة وفن الطبخ التقليدي المناسباتي البنات عن الأمهات عن الجدات خلفا عن سلف، مع الأسف جيل اليوم اللائي يقمن بطهي الطاجين فوق موقد النار الغازي أنى لهن صبر سيدنا أيوب وعُمر سيدنا نوح ـ الوقت ـ ويرحم الله إحدى الجدات الرودانيات الحكيمات التي قالت: يوم 2ثاني الفطر نستعد للأضحى ويوم 4رابع الأضحى نستعد لعاشور وبعد العاشور نستعد للميلود، رغم كونهن عانين من الأمية الأبجدية فقد كن خبيرات في معرفة التدبير المنزلي المعقلن بحكم الفطرة والحساب الزمني وعده العكسي عن بُعد بالفراصة، مبدئه الحرص على معرفة استهلال الشهر الهجري على مدار السنة فيسمين الأشهر الهجرية هكذا: 1 عاشور 2 تابع عاشور 3 الميلود 4 تابع الميلود 5 جاد 6 جُماد 7 شهر المرابطين 8 شعبان 9 رمضان 10 الفطر 11 بين العياد 12 عيد الكبير.هذه هي أشهر السنة الهجرية بتقويم الجدات الرودانيات اللائي بلغن اليوم من العمر عتيا ومن تركها القْبرْ لم يتركها الكْبرْ. يسمى يوم العاشر من محرم، بيوم “ زمزم ” كناية على ما يقوم به بعض الأشخاص من رش الماء على بعضهم البعض. فيبادر أول من يستيقظ من النوم يغمس أصابع اليد ويرش الباقين بالماء البارد، ويخرج عدد من الأطفال والشباب إلى الشارع لرش كل من يمر بالماء. ومع مرور الساعات الأولى من الصباح يحمى وطيس “معارك المياه”، خصوصا بين الأصدقاء والأولاد من أبناء الجيران. ومن يرفض الاحتفال بماء “زمزم” عبر رش القليل منه على ثيابه، قد يتعرض لتناوب عدد من المتطوعين لإغراق ثيابه بكل ما لديهم من مياه. الاَ ان هذه العادة هي الأخرى زاغت عن الصواب، إن كان في الأصلا صواب، الى خلط الماء بالملون الغدائي أو صباغة الدباغ الحمراء التي يتم إقتنائها لدى العطارين، ثم انحطت الأمور سلبا وأضحت جسارة الى الرشق بالبيض بل تكسيره عنوة فوق الرؤوس، قبل هذا كانت تسود تجارة مفرقعات البارود نفاثة ومرمية بعد إشعال فتيلها مستوردة من بلد معلوم بشرق آسيا، يقوم بها الأطفال لعدة سنوات غير آبهين بخطورتها الى أن تدخلت السلطات المغربية بقوة ومنعت إستيرادها بعدما تركت بالعديد من المدن المغربية إصابات بليغة خلفت عاهات مستديمة كفقدان العين على الخصوص، وبما أن كل ممنوع مرغوب كما يقول المثل، فقد لجأ الأطفال والمراهقون الى شراء البارود من محلات بيع العقاقير وصنع متفجرات يدوية بشكل بدائي )نتحفط عن ذكر طريقة الإعداد( وبعد تنبيه التجار الى ذلك عقب الأحداث الإرهابية بالبيضاء، لجأ الأطفال اليوم الى تعويض البارود بجرعة من الماء الحارق المركز و الألمونيوم في قنينات البلاستيك فيحدث تفاعل كيميائي يؤدي الى انفجار مدو يسمع له وقع قوي… عادة رش الماء في اليوم العاشر من محرم هي في الأصل عادة مارسها اليهود المغاربة الذين يمتهنون حرفة الفلاحة، وعملية رش الماء هي تيمنا بموسم فلاحي مطير يعود على نشاطهم بالنفع والخير، بل منهم من يعمد الى رش النقود طلبا للبركة، ومن هنا جاء معتقد “ليلة البركة” التي يحييها المسلمون بحكم التسامح الديني والتجاور السكني والتضامن الإنساني ومن غير المستبعد أن تكون للعادة في المعتقد العبراني علاقة بابتلاء الله لبني اسرائيل وملكهم طالوت” إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَ قَلِيلاً مِنْهُمْ” البقرة آية248 أو بشق سيدنا موسى عليه السلام للبحر الأحمر بالعصى فكان كل شق كالطود العظيم، ليقطع ببني اسرائيل الى أرض الميعاد ببلاد كنعان فأتبعهم من خلفهم فرعون وجنوده عدوا فأدركه الموت فكان من المغرقين. وها نحن نقلدهم ونبالغ وقد نهينا عن ذلك وأمرنا عوضا عنه بمخالفتهم فيما هو عبادة شرعية مشتركة وهو شعيرة صيام عاشوراء. عادة إشعال النار وتسمى “ شعَالة ” لأجلها تتم عملية جماعية وتمشيط واسع لاحتطاب الخشب والقش وجمع الأزبال القابلة للإشتعال والحرص على بقاء النار مشتعلة لأطول مدة وإطالة ألْسنة لهبها، ثم القفز فوقها بالتناوب بعدما يشتد احمرارها ويرتفع لهيبها. معلوم أن علاقة الإنسان بالنار في مجال الأنتروبولوجيا هي عبادة مجوسية كانت تمارس في إمبراطورية الفرس دخيلة على المجتمعات العربية بعد الفتح الإسلامي، وهكذا يحوم الأطفال ويطوفون بالنار التي كلما ارتفع لهيبها سميت “شعالة” يرددون أنشودة ” أشعَالة شعْلي شعْلي… زيدي ضوَي أو كبْري كبْري” وهم يطوفون يمينا، ولما يخف وهجها ويخمد لهيبها يعكسون الطواف يسارا وينشدون”تِكْشْبيلة توْلِوْلا ما قتلوني ما حياوني غير داك الكاس لي عطاوني الحْرامي ما يموت شي جات أخبارو فالكوتشي …” وهم يضربون على “التعارج” ولما يترهل طنينها يتم تدفئة جلدها في الحين؛ وترجمة الأنشودة المشفرة هي : تلك إشبيلية تصيح و تنادي الويل الويل، لم يقتلوني ولم يحيوني كناية على هجوم فلول الصليبيين على شبه الجزيرة الإبيرية لاسترجاع مملكة قرطبة وعاصمتها إشبيلية ومسجدها الخيرلدا وهي آخر مملكة الطوائف، وخيَر الصليبيون المسلمين بين القتل أو شرب كأس خمر ليبرهنوا على خروجهم من ملة الإسلام إذا أرادوا البقاء في قرطبة، ففضل المسلمون الهرب بعرضهم ودينهم دون أموالهم على الإبادة والتقتيل أو شرب كأس الخمر/ الحرامي ما يموت شي وهم اليهود المتواجدين بينهم بقرطبة آنداك وقد فضلوا المزاوجة بين شرب الخمر وكتمان تدينهم /جات خبارو فالكوتشي وهي السيارة باللغة الإسبانية الى آخر الأنشودة التي يرددها أطفالنا اليوم وهم يطوفون حول النار عن جهل طواف الجاهلية الأولى بالكعبة كما ورد في القرآن الكريم ” وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ” الأنفال:35 مُكَاءً وَتَصْدِيَةً/ تصفيق وصفير، وينشدون من حيث لا يدرون فرحا بسقوط دولة الخلافة الإسلامية بالأندلس !!! غير آبهين أن ما يقع للنار في تلك اللحظة هو بالتمام ما وقع لبلاد الأندلس بعدما بلغت حضارتها الآفاق ونور فكرها أضاء أوربا، كما ارتفع لهيب نارعاشوراء وأضاء الآفاق للأطفال الأبرياء،ثم جاءت لحظة الإنحطاط والخمود والزوال ليبقى بعض ذلك في الغد حديثا عاشوريا يروى وذكرى أندلسٍ تحكى تؤرخ لسقوط راية الإسلام وطرد آخر المسلمين المورسكيين ونزوحهم الى المغرب. عاشوراء بالنسبة لفئة معدودة من النساء بتارودانت، وليس باقي المغرب استثناء عن ما تعرفه المدينة ، هي كذلك مناسبة سنوية فريدة بامتياز، لأنها النقيض التام لليلة القدر بنسبة 180°حيث تمارس الخرافات والشعوذة والسحر، وتكون مناسبة رواج عند العرافات وأصحاب الدجل، كل واحدة وحاجتها المقضية بشرط صدق النية لنجاح العملية كما يقال لهن. وقد استمرت بعض هذه المظاهر حتى أواخر سبعينات القرن الماضي حيث يلاحظ أطفال يحملون في العنق خيطا احمر تعلق به “كموصة” التمائم لدفع العين الشريرة في أيام العواشير. أما أغلبية النساء، فهن يجللن المناسبة ويذهبن للمقبرة لزيارة الترحم وتجديد التراب فوق المرحوم ورشه بماء القِرب عند الحمَال أو قنينة ماء الزهر المقطر الذي يباع بعين المكان، قبل ختام الزيارة بالتصدق بالنقود أو الفواكه الجافة على المساكين بباب المقبرة حيث تعج بالنساء يومه. للتذكير فقد كانت ساحة باب الخميس قرب المقبرة بتارودانت تعتبر نقطة تجمٌع المساكين والمحتاجين في هذا اليوم لأخذ زكواة عاشوراء نقدا من أصحاب الحقوق العينية، تزكية للمال والأنعام بالتصدق بعشر الأموال التي شملها الحلول، فيصطف الفقراء والمحتاجون في متسع باب الخميس المُقفر المُغبر بنظام متعففين عن التدافع واحترافية المسكنة والدروشة والتدليس والتخفي الحاصلة اليوم. عاشوراء كذلك مناسبة فرح وسرور وتحرر الحريم من بعض القيود والسلطوية الذكورية التي تلازمهن على مدار السنة، وهكذا ضمن الإستعدادات الداخلية يقمن بحملة نظافة شاملة حيث يقلب البيت العائلي رأسا على عقب ثم إعادة الترتيب فيوم الحمام وحفلة الإغتسال الجماعي مع /عند الجيران، يليه يوم الحناء وخضاب الأرجل والأيادي فيه يسمح استثناء للذكور الصغار بالمشاركة اعتبارا لكون المناسبة فرحة خاصة بهم قبل غيرهم، فتقوم النساء والفتيات بتخضيب شعر رأسهن بالحناء وكذا أيديهن وأرجلهن ،مع وضع شيء منها في أكف الأطفال ومن مرددات النساء، وقد جمّلن شعرهن بالحناء وأطلقنه: عاشوري عاشوري.. عليك نطلق شعوري.. شعوري قد النخلة..” يوم عاشور يستعملن السواك في الفم وهو مادة طبيعية محلية صحية مطهرة تأخد من لحاء شجرة الجوز بشواهق الجبال ـ ثم تعويضه اليوم بمضغ العلك لشركة أمريكية ـ والكحل الطبيعي للعينين ـ تبث طبيا أن اكتحال أعين الرضع مباشرة بعد الولادة يقاوم مرض الرماد الحبيبيtrachome oculaire ثم تعويض الكحل الطبيعي بالإصطناعي الكميائي،أثناء هذه الإستعدادات الإحتفالية تنشد النساء في فناء البيت الفسيح أغاني المرح والحبور من قبيل: هذا عاشور ما علينا الحكام أللا…عيد الميلود كيحكموا الرجال أللا… هذه بعض الملاحظات حول احتفال أهل تارودانت على الخصوص بمناسبة عاشوراء، جل ما ذكر أصبح اليوم في خبر كان أيام كان في قديم الزمان، وإن كنت رصدت بعض ملامح الاحتفال فإنني لم أستطع البحث في الأسباب، إذ يصعب على المتتبع بعين الرأس وعين العقل معرفة سبب اجتماع المتناقضات دفعة واحدة وجمع ما لا يجمع أصلا إلا في عاشوراء. لماذا يقبل المغاربة على شراء الفواكه الجافة الحلوة والمملحة والحارة في هذه المناسبة دون غيرها وخلطها في نفس الإناء واختلاطها أثناء الأك ؟ حضور الفرح والحزن ، الماء والنار ، العبادة والشعوذة، الصوم والأكل، الزكاة والتسول، الطواف بالكعبة والطواف بالنار، أنشودة ابتهاج فيما أصلها نحيب عزاء؟ هذه بعض الأسئلة وأنا بطرقي لهذا الباب ألتمس من القراء الأعزاء إبداء ملاحظاتهم واقتراحاتهم بالإضافة أو التصحيح للمعلومات بعضها عايشته ولا زال قائما فيما البعض الآخر رواية شفوية والله هو الموفق وهو يهدي السبيل.

كل عاشوراء وتارودانت بألف خير