نمط الحياة العصرية وفرض أشكال أخرى تفقد رمضان طقوسه وعاداته وتقاليده القديمة بتارودانت

آخر تحديث : الجمعة 19 يونيو 2015 - 2:09 مساءً
2015 06 19
2015 06 19

موسى محراز اجمعت بعض من الأسر الرودانية العريقة بمدينة تارودانت، على أن الكثير من العادات والتقاليد الرمضانية التي كانت تشتهر بها حاضرة سوس، قد اندثرت بعضها ولم يعد لها وجود، وذلك بفعل نمط الحياة العصرية تارة وفرض أشكال أخرى من التعامل بين مكونات المجتمع تارة أخرى، أضف إلى ذلك هجرة العديد من الأسرة الرودانية في اتجاه مدن أخرى هربا من مستقبل غامض للمدينة العتيقة وبحثا عن الأفضل. هذه هي سنة الحياة، فلكل أوانه وزمانه، فعلى مر العصور ظلت الأسرة الرودانية العريقة إلى وقت سابق مرتبطة بعاداتها وتقاليدها الرمضانية، محافظة على تاريخها وسننها الرمضانية، يقول ” الحاج احمد سلوان ” استاذ باحث، بداية وخلال الأيام الأولى من الشهر الفضيل المبارك، وفي اول ايام رمضان، ومع سماع صوت المدفعية معلنة عن حلول شهر رمضان، تتحرك العديد من الاسر حيث تبادل الزيارات الليلية فيما بينها إحياء لصلة الرحم وتبادل التهاني بين الأسرة احتفاء بالشهر الفضيل وشهر الحسنات، من جهة واحتفاء بالشهر الفضيل تقوم الأسر باقتناء كافة الأشياء والمعدات التي يعتمد عليها في تعداد الوجبات الغذائية، من أواني طبخ تقليدية جديدة في مقدمتها ” الطاجين”، فالطاجين بالنسبة للعائلة ضروري ومؤكد إن لم نقل انه يعتبر من الأواني الذي تجده فيركل بيت تليه “الطويجينة”، وهي آنية طينية تستخدم في إعداد نوع من الخبز يعرف باسم ” خبز الطويجينة ” ويرف في مناطق عدة ب ” البطبوط “، ثم هناك الفران التقليدي يعتمد عليه بدوره في إعداد نوع من الخبز يعرف ب ” تانورت “، وتتسم الطقوس الرمضانية بحاضرة سوس كما سماها العلامة المختار السوسي، بإعداد”الطاجين” الذي يقدم كوجبة للعشاء وفق طريقة خاصة تكسب هذه الوجبة نكهة خاصة، بحيث يشرع في تعداد الوجبة بعد صلاة العصر، وذلك وفقا لمقولة عامية لا زالت تتداول بين عامة الناس والقائلة ” العشاء المخير كتشم ريحتو من عند العاصر “، ومع تعداد وجبة العشاء، تقوم ربة البيت ومن يساعدها في إعداد وجبة الفطور، والتي تتكون عادة من ” الحريرة ” ” الثمر ” وكؤوس القهوة أو الحليب، في حين يفضل البعض تناول اللبن والثمر، هذا بالإضافة إلى بعض الحلويات، وعادة ما تكون موائد الإفطار تقليدية جدا، وبعد صلات العشاء والتراويح، فمعظم الأسر تخلد للنوم إلى حين اقتراب موعد وجبة السحور، وهي عبارة عن طاجين أو الاكتفاء باحتساء “الزميطة” أو “المريسة” التي تعد من دقيق القمح أو الشعير يتم خلطه إما بالماء أو اللبن، والبعض يفضل أن يضيف إليه السكر المدقوق لما له من قيمة غذائية مهمة تضمن لشاربها قضاء يومه بكل جدية ونشاط، لكن كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فقد اندثرت تلك العادات والمتوارثة.

530806_294656650634665_1812576100_n ومن بين الطقوس والعادات والتي لم يعد لها مكان بين الأسر الحالية، خاصة بين عائلة ” النفارين والغياطة”كم تبقى من المدن المغربية التي لازال يسمع فيها صوت “النفير” خلال شهر رمضان؟ ذلك المزمار الطويل المصنوع من النحاس الأصفر، يطلق نداء جهوري مدوي بعد النفخ فيه؛ العملية تتطلب قليلا من المهارة خدان متمددان وأوداج قوية لينطلق صوت “النفير” مدويا مسموعا معروفا إيدانا بحلول موعد السحور في رمضان، الأفراح العائلية، وقديما حلول الخطر). قليلة هي المدن المغربية التي لازالت تحافظ على هدا التقليد الرمضاني الأصيل . “النفار” ويطلق على شخص يرتدي لباس يراعي الخصوصية الإجتماعية المحلية، يجوب الأحياء يقرع إما الطبل أو ينفخ في “الغيطة” أو”النفير”. في المدن العتيقة الضاربة بجذورها في عمق التاريخ كفاس ومراكش وتارودانت، رحم الله ” محمد بن القيه أيت بنصالح ” والملقب ب ” الطونيو “، وكذا زميله ” مولاي إسماعيل ” بغمدها الله برحمته الواسعة، اللذان ظل طوال حيتهما خداما الصائمين بالمدينة العتيقة، وذلك بالتزامهما الدائم فوق صومعة ضريح الوالي الصالح سيدي أوسيدي حيث كانت يؤدى هذه العادة الأصيلة بعد صلاة التراويح وبدابة النصف الأخير من الليل، معلنا حلول وقت السحور. حرفة “النفار” يقوم بها رجال متعففين بأنفسهم عن الاستجداء و يترفعون بكرامتهم عن طلب الحاجة (تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا( كما ورد بالقرآن الكريم، لذلك كانت النساء اللائي بلغن من العمر عتيا اليوم يتسابقن في تارودانت لإرسال وجبة السحور إلى النفار بالمسجد، ويكون أول من يحظى ببركة السحور قبل العائلة لتحصل ربة البيت على تواب أجر مزدوج مضاعف: بركة السحور وإطعام محتاج في رمضان، وما قيل عن النفار يقال على ” الغياط ” والذي يتميز بخصوصية فن “الغيطة” فوق الصومعة بعد صلاة التراويح والنفير للسحور، وفي صباح العيد يترافق الغياط و الطبال، فيما النفار يطوف لوحده. قديما كان النفار أول من يحظى قبل الجميع بفطور لذيذ شهي صباح العيد، عنصره الرئيسي رغائف بالزبدة الطبيعية (البلدية) أو ” شفنج ” مطفي في عسل النحل الصافي الحر وكوب قهوة بالأعشاب الطبية أو كأس شاي بالأعشاب المنسمة. الاستعدادات المنزلية ليلة العيد ترخي بطبيعتها داخل البيوت، والتحضيرات المطبخية في صباحه تخترق أجواء فضاءاته وخصوصيته نحو المحيط ، لأنها تأبي أن تبقى حبيسة جدران المطبخ. فيجد لها الجيران قبل غيرهم رائحة شهية تمتد على طول الزقاق أو الدرب تثير الدوق وتستفز الشهية، فترفع بذلك درجة فرحة قدوم العيد وشوق التزين بالجديد ، وزيارة الأهل والأحباب والتناول معهم كل ما لذ وطاب، وقضاء لحظات سنوية استثنائية في أجواء عائلية.

3643_46775583 أما اليوم فاستعاض الناس عن صوت النفار بالمنبهات الإلكترونية وضبط الهواتف المحمولة بالنسبة لمن لازالوا يحرصون على سنة السحور التماسا للبركة كما ورد في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، أما غيرهم فيكتفون بوجبة الفطور والعشاء بعدها يواصلون حديث اللسان والسهر والسمر أمام شاشات التلفاز من قناة لأخرى أو ارتياد باحات المقاهي أو لعب الورق حتى الفجر ويشربون جرعة ماء ثم يخلدون مباشرة بعدها لسبات عميق،لأن العادات والتقاليد العرفية في رمضان، وسننه المستحبة شرعا لا تلقى منهم ببال !!!. أما الحديث عن دوي المدفع مع حلول رمضان ونهاية الشهر المبارك حيث استقبال العيد، فقد أضحى متجاوزا ولم تستمتع به فئة الشباب الحالي، وذلك لسبب واحد، هو غياب هذا الموروث عن الساحة الرودانية بصفة قطعية نظرا لتساهل الجهات المسئولة مع أيادي العابثين بهذا الموروث والذي حول إلى جهات غير معروفة ومنه من سرق في واضحة النهار بإيعاز من جهة ما. ” تمصرايت ” التي تحولت إلى ” الموكار ” من بين الطقوس والعادات التي كانت تفتخر بها الأسر الروادنية، هو الاحتفال بيوم ” تمصرايت “، الموسم السنوي يصادف الخامس عشر من رمضان، وذلك سيرا على العادة التي سنتها أسرة الوالي الصالح ” عباس التلمساني ” والمعروف وسط ساكنة تارودانت ب ” سيدي عباس المسالي “، والحديث عن موسم ” تمصرايت ” يعيد بنا الذاكرة إلى الروايات الشفاهية حول هذا اليوم، الاحتفال بيوم ” تمصرايت ” أو ما أصبح يطلق عليه بالعامية ” سوق النساء ” على اعتباره خاص بالنساء، وكما جاء على لسان الأستاذ مولود بمندوبية الثقافة وباحث في التراث في وقت سابق، على انه من الصعب تحديد علاقة كلمة ” تمصرايت ” وسبب إطلاقها على الموسم الخاص بالنساء المنظم سنويا في اليوم الخامس عشر من رمضان، وقد جرت العادة أن يعقد هذا الموسم بالفضاء الداخلي لحي سيدي حساين الذي يتميز بقدسيته نظرا لمداورته للمسجد الأعظم (مسجد محمد السادس). أما بشأن ” تمصرايت” فقد تعددت حكاياتها بحسب الروايات الشفاهية والتي تحكي أن بداية الاحتفال بالموسم تعود إلى فترة استقرار الأسرة الوقادية التلمسانية بمدينة تارودانت والتي أي (الأسرة) أغنت الحياة العلمية المحلية، إذ انه بعد وفاة سيدي عباس التلمساني، سن أولاده عادة إيواء وإطعام الجياع والغرباء، فتحولت هذه العادة الحميدة التي كانت تنظم مرة في السنة إلى موسم ديني عرف لدى العامة ب ” تمصرايت “، ولعل هذا ما حدا بالأسرة الوقادية إلى بناء زاوية تضم قبر سيدي عباس التلمساني ثم ضريح ابنته للا رقية التلمسانية، مما يؤكد مسؤولية هذه الأسرة على شؤون رعاية الموسم الذي ظل يشكل مظهرا حيا من مظاهر الثقافة الشعبية المحلية وجزءا من الذاكرة الجماعية للسكان، أما الموسم بشكل عام فيتميز بإقامة طقوس وشعائر دينية تعبدية تتصل بالطريقة الصوفية الناصرية، ومن هذه الطقوس نجد ذبح الفدية الحيوانية بالزاوية لإعداد طعام خاص بزائرات ضريح للا رقية التلمسانية على اعتبار أن الموسم خاص فقط بالنساء اللواتي يقصدنه من تارودانت والنواحي، وقد تتم دعوة النساء المسنات المنتسبات للطرق الصوفية الأخرى كالتيجانية والناصرية والدرقاوية للمشاركة في إحياء الموسم وترديد الأذكار والأوراد عند قبر للا رقية وفي زاوية سيدي عباس التلمساني. أما الرواية الثانية المتداولة تشير أن موسم “تمصرايت” موروث عن احد القضاة والذي يدعى ابن الوقاد التلمساني، فمن خلال مزاولته للقضاء بمدينة تارودانت، لاحظ أن المتقاضين لا يثقون اللغة العربية، ومن تم اهتدى إلى تعليم الساكنة اللغة العربية عن طريق الأذكار والامداح النبوية، فبدأ العمل إلى جانب زوجته حيث كان هو يعتني بتعليم الرجال وزوجته تقوم بنفس الشيء مع النساء، وبعد وفاته دفن في الزاوية وبقيت هذه العادة مستمرة ومتوارثة تقوم بأدائها مجموعة من النساء داخل الزاوية، ومن بصماتها انه في ” تمصرايت” لحد الآن هناك الحضارات بالزاوية يشتغلن طيلة ذلك اليوم على إيقاع الامداح والأذكار داخل بيت في أعلى الزاوية يسمى ب ” تمصرايت ” أي المصرية أو البيت. والحديث عن موسم ” تمصرايت ” في صيغته الأولى حيث الأذكار وترديد الامداح النبوية والدعاء الصالح والتقرب إلى الله، ثم إطعام المعوزين والفقراء والمحتاجين، مشيا على سنة عائلة الفقيه العلامة رحمهم الله، وذلك بكل من زاوية سيدي عبد القادر التلمساني ثم بالمسجد الأعظم الذي كان يلقي فيه الشيخ العلامة دروسه الدينية وأداء الصلوات الخمس. أما الآن وسعيا في طمس هوية الأسر الرودانية فقد تحول بقدرة قادر طقوس الاحتفال بيوم ” تمصرايت ” إلى ما يعرف ب ” المكار ” أي موسم الهدف منه جمع الأتاوات وتحويله إلى سوق سنوي على حساب مريدي زاوية الفقيد العلامة والمصلح ” سيدي عباس التلمساني “، والذين كانوا إلى وقت قريب ينتظرون حلول يوم ” تمصرايت ” بفارغ من الصبر من اجل التقرب إلى الله بتلاوة القران والدعاء الصالح وأحياء صلة الرحم، واستقبال الزيارات والمساهمة في تخليد ذكرى الضريح.