هل لديكم كنز لا مثيل له؟!

آخر تحديث : الخميس 23 يوليو 2015 - 10:01 مساءً
2015 07 23
2015 07 23

بقلم/أم سمية طالبة باحثة سؤال أوجهه للجامعات العربية إن الحصول على الكنوز لا يكون بالسفسطة العلمية، ولا برفع شعارات سرعان ما يذوب حبرها في كأس اللامبالاة ويذوي بريقه في الأدراج..! حين قرأت اليوم خبر العثور على أقدم صفحات من القرآن الكريم في جامعة برمنغرام؛ ارتعشت أوصال فكري وأعماقي رعشة الرهبة والدهشة والحسرة؛ كانت الأولى رهبة المقام، مقام تاريخ الصفحات، حيث يعود تاريخها إلى 24 هـ ، أي أنها كتبت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو زمن الخلفاء الراشدين، فحسب ما صرح به البروفسور ديفيد توماس ” أن الشخص الذي كتب هذه الصفحات لابد أنه عرف النبي محمد، ورآه واستمع إلى حديثه، وربما كان مقربا منه، وهذا ما يستحضره هذا المخطوط ” * أما الثانية – رهبة الدهشة – فكانت لأن من اكتشف المخطوط طالب دكتوراه، حيث كانت تلك الصفحات من القرآن الكريم قابعة في مكتبة جامعة برمنغرام، ويبدو أن الطالب كان يجري أبحاثا على المخطوطات حين اكتشف أن هذه” الصفحات عمرها 1370عاما”، وتعود إلى” ما بين 568/ 545 م”، أي إلى 24 هـ..أما ثالثها فكانت حسرة على ما آلت إليه الجامعة العربية والمغربية بالخصوص، من فوضى التسيير وقلة التدبير وكثيرا من التأخر عن قافلة الجامعات العالمية؛ حيث توجد في ذيل أفضل الجامعات عالميا..! وأتساءل ألا تستطيع جامعاتنا أن توفر جوّا علما ومعرفيا للطلاب؟! ما المانع؟!! إنهم يفرحون بامتلاك ما ليس لهم، ويعدونه كنزا.. يضيف البروفيسور توماس” إنها ستبين لأهل برمنغرام أن لديهم كنزا لا مثيلا له” و” قالت مديرة المجموعات الخاصة في الجامعة، سوزان ورال، إن الباحثين لم يكن “يخطر ببالهم أبدا أن الوثيقة قديمة إلى هذا الحد” (…) امتلاك الجامعة صفحات من المصحف قد تكون الأقدم في العالم كله أمر غاية في الإثارة” وما يثير مزيدا من الحسرة في النفس؛ لماذا تعاني الجامعات العربية أزمة صناعة الطالب الباحث وصناعة المعرفة؟! مع أن لديها طاقات بشرية أكاديمية مهمة، ولديها أهم مخزون حضاري في العالم!! لماذا أصبحت الجامعة بيتا جدرانه مطلية بسواد التخبط في اللاتعليم واللامعرفة؟!! ولماذا نسبة الميزانية المخصصة للبحث العلمي في الوطن العربي من أدنى النسب في العالم، علما أن البحث العلمي هو العمود الفقري للتطور؟!! أين موقع جامعاتنا في جملة الألسن التي يشكل مقاطعها اللسان الأوروبي والياباني والإنجليزي! جملة التطور والنماء ليس فيها حرف عربي واحد؛ لأن الأمة العربية كانت ومازالت ضمن الدول التي تسير في طريق النمو.. ألم تصل بعد للنمو بعد طول هذه السنين؟!! عجبت لأمرهم وأمرنا! ثمة فراغ في الفكر والمكان والزمان لا يملؤه إلا العلم والمعرفة.. في الوقت الذي كانت فيه الأمة الإسلامية تعيش عصر الأنوار، وخير دليل على ذلك بغداد وقرطبة، كانت أوروبا غارقة في ظلمات الجهل، وتعيش عيشة الفقر الحضاري في العصور الوسطى.. وأذكر هنا تحت مظلة وشهد شاهد من أهلها، مقولة للمستشرقة الألمانية” زيغريد هونكه ” ( ت 1999 ) صاحبة كتاب ” شمس العرب تسطع على الغرب- أثر الحضارة العربية في أوروبا ” تقول : << العرب أصحاب نهضة علمية لم تعرفها الإنسانية من قبل ، وأن هذه النهضة فاقت كثيراً ما تركه اليونان أو الرومان ولا يقدرون هذا. إن العرب ظلوا ثمانية قرون طوال، يشعون على العالم علماً وفناً وأدباً وحضارة، كما أخذوا بيد أوروبا وأخرجوها من الظلمات إلى النور، ونشروا لواء المدنية ، إن هم ذهبوا في أقاصي البلاد ودانيها ، سواء في آسيا أو إفريقيا أو أوروبا ، ثم تنكر أوروبا على العرب الاعتراف بهذا الفضل>>1 ونجد أيضا ممن رفع لواء الاعتراف لأصحاب الفضل، المستشرق الألماني فرانز روزنتال ( ت 2003 ) صاحب كتاب” مناهج علماء المسلمين في البحث العلمي” وله كتاب آخر ” مفهوم الحرية في الإسلام “وهو محقق ومترجم مقدمة ابن خلدون للألمانية.. إذن، لم تبني أوروبا حضارتها من فراغ.. كان الأساس من الخرسانة العلمية العربية وأسمنت المعرفة العربية.. وما المخطوطات والكتب التي في متاحف وجامعات الغرب إلا دليل على أن الثورة العلمية الغربية استفادت كثيرا من الحضارة العربية.. وأسوق هنا ما جاء في الإعلان الذي نشر فيه خبر اكتشاف عمر صفحات القرآن في جامعة برمنغرام” وهذه المخطوطة هي جزء من مجموعة “منغنا” التي تضم أكثر من 3000 وثيقة من الشرق الأوسط جمعها في العشرينيات ألفونس منغنا، القس الكلداني المولود قرب مدينة الموصل في العراق” هذا القس هاجر إلى بريطانيا، كان أستاذا للغات ودرّس في جامعة كامبردج وغيرها، و كان يرتحل في دول الشرق باحثا عن المخطوطات النادرة، ليجمع أكبر مجموعة من نوعها في العالم..! في سياق الحديث عما نهبه الغرب من الثروة العلمية والمعرفة العربية، أذكر واقعة حدثت لأسامة بن منقذ حين أُسرَ في معارك الحروب الصليبية استولى الصليبيون على ” أربعة آلاف مجلد من الكتب الفاخرة ” من كتبه التي كانت معه؛ حيث كان مولعا بالقراءة يحمل معه كتبه حتى في الحروب. ألم تلعب كل هذه المخطوطات والكتب النادرة دورا في النهضة الغربية؟! إذا عرفنا أن ما يقرب 4 ملايين مخطوط يوجد في متاحف الغرب وجامعاتها! أليس بعض المصطلحات العربية مازالت تستخدم إلى الآن في منظومة العلم الغربية، أبسطها ” الجبر” و ” الخوارزمية “، أليس في اللغة الإنجليزية وحدها عشرة آلاف كلمة من أصل عربي!** لماذا يصرّ الغرب على رسم صورة العربي في إعلامه، على أنه لا يعرف من الدنيا سوى” العقال” وخيمة وتعدد الزوجات ولحية وتعطشا للدماء؟!! لماذا يزرع الغرب في ذاكرة الأجيال العربية الهزيمة والانكسار والدونية؟! ويطعمونها من نفايات الفكر أنها لاشيء، ولن يستطيع فعل شيء، حتى المأكل والمشرب يستوردونه، حتى أبسط شيء قلم الرصاص..! ويقنعونها أنها قروية الفكر في ظلّ المدنية العالمية التي تمكنت من غزو الفضاء.. أمة لا تتقن حتى رصد الهلال لتفصل ما بين رمضان وشوال! في حين توجد نسبة عالية من الأدمغة العربية التي شاركت و مازالت تشارك في صناعة الحضارة الغربية..! وأضيف في هذا المقام ما جاء على لسان زيغريد هونكه في كتابها:” إن أوروبا تدين للعرب وللحضارة العربية. وإن الدين الذي في عنق أوروبا وسائر القارات الأخرى للعرب كبير جداً ، وكان يجب على أوروبا أن تعترف بهذا الصنيع منذ زمن بعيد، ولكن التعصب واختلاف العقائد أعمى عيوننا، وترك عليها غشاوة حتى إننا نقرأ ثمانية وتسعين كتاباً من مائة، فلا نجد فيها إشارة إلى فضل العرب وما أسدوه إلينا من علم ومعرفة، اللهم إلا هذه الإشارة العابرة إلى أن دور العرب، لا يتعدى دور ساعي البريد، الذي نقل إليهم التراث اليوناني”2 نحن أمة ” اقرأ ” أمة صنعت حضارة علمية ومعرفية، كان ذلك أمس، فكيف يجب أن نكون اليوم؟!! أول خطوة الاهتمام بالتعليم، وصناعة طالب باحث..! المرجع *خبر المخطوط الذي نشر على صفحة ” بي بي سي” الإخبارية **عنوان كتاب ل د. سليمان أبوغوش ” عشرة آلاف كلمة إنجايزية من أصل عربي ” 1 زيغريد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب- أثر الحضارة العربية في أوروبا 2 المرجع نفسه